الفصل الرابع: بيت جديد

 الفصل الرابع: بيت جديد

 جلست في مقعدي المطل على النافذة انتظر تلك اللحظة المخيفة كما يقولون وهي اقلاع الطائرة فهذه مرتي الأولى ولكن لماذا أشعر بأن كل ما يحدث هو حلم لا أستطيع الاستيقاظ منه؟ كيف سيرحبون بي يا ترى؟
 جلست بجانبي امرأة برفقة رضيعها ثم ألقت التحية لأردها لها مع ابتسامة لتقول هي
-:"تبدين صغيرة على السفر وحدك يا صغيرتي"
رددت ضاحكة-:"لقد قاربت على بلوغ السابعة عشر يا سيدتي... اعتقد انني كبيرة بما فيه الكفاية"

-:"متى سيغدو طفلي كبيرا بعمرك يا ترى؟"
 نظرت صوب طفلها... انه كالملاك لطيف وبرئ من خبث العالم لأقول لها
-:"يا له من طفل جميل!"
ابتسمت المرأة بسعادة وشكرتني لنستعد بعدها لإقلاع الطائرة فبدأت بالتوتر ولكن المرأة قالت وهي تمد بيدها نحوي
-:"يمكنك الإمساك بيدي للشعور بالأمان إن كنت خائفة"
 كم أنا ممتنة لوجود هذه المرأة بجانبي فها أنا أمسك بيدها ولا أشعر بالخوف... إن حنان الأم نعمة فطفلها أيضا لا يشعر بالخوف وهو بين أحضانها...أغمضت عيناي ويدها لا تزال في يدي... كم أشعر بالراحة وكأنني بجانب والدتي... راحتي هذه قادتني للنوم الهادئ بعيدا عن كل تلك الكوابيس التي اعتدت عليها منذ رحيلهم.
  استيقظت من غفوتي لأجد ان السيدة وطفلها نائمان وهي لا تزال تمسك بيدي... شعور جميل اعتلاني حينها فأعدت يدها حول طفلها وبدأت بالتفكير بالجانب الأبيض من صورة تحتوي على نقطة سوداء فهنالك خير لا يزال في هذه الحياة.
  مر الوقت بسرعة بعدها لتأتي المضيفات ويقدمن الطعام ونبدأ بالاكل بهدوء ولكن فجأة هلعت السيدة بجانبي فنظرت صوبها بسرعة... لقد كان رضيعها يختنق... بدأ الناس بالتوافد حولنا بخوف ظاهر بينما السيدة تبكي بشدة فوقفت من مكاني وطلبت منها طفلها
-:"لا لن اعطيك إياه!؟"
-:"ارجوك علي تقديم الإسعافات الأولية له"
-:"لا لن اتركه!"
-:"ولكنه يختنق يا سيدتي...ارجوك!"
ظلت تنظر نحوه بتألم ومن ثم أعطتني إياه وهي تترجاني أن اعتني به لأمده على بطنه على طول يدي بينما أمسكت به من فكه بكفي ويدي أسفله وقدماه ثبتهما بمرفقي وبدأت بالضرب على ظهره ليس بقوة كبيرة وفقط بأصابع الوسطى والسبابة ومن ثم وضعت يدي الأخرى على رأسه وقلبته على يدي الأخرى وفعلت ما فعلت سابقا ولكن اسفل حجابه الحاجز... وتابعت ما أفعل حتى خرج ما كان في فمه ليعود تنفسه طبيعيا وبكاءه قد سمع صوته من جديد... يبدو انني نجحت.
 أرجعته لأمه التي انهارت وهي تضمه الى صدرها لتجلس على الكرسي وتستمر في بكاؤها الشديد فعدت الى مكاني وانا راضية عن نفسي بحق كما أن المسعف لا ينتظر الشكر لخدماته.
  سرعان ما وصلنا الى وجهتنا وهبطت الطائرة بسلام ليبدأ الركاب بالنزول ولكن السيدة كانت لا تزال جالسة في مكانها فسألتها
-:"هل انت بخير يا سيدتي؟"
مرت لحظات ثم رفعت رأسها وقد ارتسم على محياها بعض الندم لتقول:"انني اسفة لانني صرخت عليك يا ابنتي كما انني شاكرة لك جدا"
-:"لا بأس فهذه عاطفة الأم وهي حماية طبيعية للطفل كما أن انقاذ طفلك هو واجبي"
 بدأت السيدة بالبكاء وعانقتني فرددت العناق لتقول
-:"ان اسمي باتريس وهذا الرضيع كايل ماذا عنك ايتها الجميلة؟"
-:"تشرفت بمعرفتك وانا ادعى إنجيلا"
 ودعتها لنخرج وترحل كل واحدة في طريق ولكنني لا أدري وجهتي الآن فها أنا أقف خارج المطار انظر يمينا ويسارا... هل من المبكر أن أقول انني ضائعة الآن؟
  مرت ساعة كاملة وأنا أقف في مكاني أمام المطار.. أردت البكاء ولكنني حاولت ايجاد بعض الامل في داخلي بأن  أحدهم سيصل ويقلني الآن.. كانت شكوكي شبه صائبة فقد وصلتني رسالة من رقم غريب بعنوان المنزل مرفقة بإعتذار من عمي السيد كينسون بأنه لن يقدر أن يتخلف عن اجتماعه المهم.
-"لا بأس" قلت في نفسي لأبدأ بعدها بالسير صوب سيارة أجرة كانت تقف في المكان ومن ثم أركب وأريه العنوان لتبدأ رحلتي ورحلة أفكاري المتوترة فكيف ستكون ردة فعلهم بكون غريبة مثلي ستعيش معهم.
  طالت المسافة بحق فعداد السائق كان يزيد كثيرا ولكن أثناء نظري صوبه قال السائق 
-:" لا تزال الطريق طويلة "
اومأت برأسي ثم اسندته على النافذة وبدأت بالتفكير كالعادة ولكنني استوقفت نفسي عن ذلك فهذا هو سبب تعاستي! التفكير الدائم هو سبب التعاسة فلذلك دائما ما نرى المجانين سعداء ونادرا ما نرى عبقريا يضحك.. ولكن كيف اوقف عقلي عن التفكير؟
  عالم الاحلام سحبني نحو حلم جديد في تلك اللحظة فكل شيء امسى قاحل السواد بينما أنا كنت في مركزه غير قادرة على الحركة.. استطعت الشعور بالبرودة تتخلل جسدي كما أنني شعرت بأيادي طويلة تمتد محاولة الامساك بي.. كنت خائفة حد الموت كما أن قلبي كاد أن يخرج من مكانه عندمأ بدأ كائن طويل ذو عينان حمراوان بالاقتراب نحوي وفجأة فتحت عيناي جراء هز أحدهم لي

كان السائق وهو يردد مرارا بأننا وصلنا لأقول بسرعة
-:" شكرا كم الحساب؟"
قال مترددا وهو يحك رأسه:" لا أعلم إن كنت تحملين ما يكفي ايتها الصغيرة ولكن وجهتك كانت طويلة والحساب حسب العداد مئة دولار"
جفلت وقلت بداخلي:" حسنا هذا كثير حقا!" لأوجه نظري نحو العداد واتأكد وهو محق ولكن من أين سأتي بكل هذا المال! هل اطلب من عمي الذي لا أعرفه بعد أم أن هذا من قلة الادب؟
 تنهدت وتذكرت أن لدي هذا المبلغ فعندما ودعت ستيلا وأباها قامو بإعطائي مبلغا من المال رغما عني.. شكرت الله وشكرتهما على هذا الامر لأدفع للسائق الذي رحل بعدما أنزلت حقيبتي.
 نظرت حولي لاستنتج أن المزيد من السير هو ما علي فعله فقد أنزلني السائق على محطة لإنتظار الحافلات! لعنت حظي وكنت على وشك السير ولكنني جفلت لقيام شخص بلمس كتفي لأستدير بسرعة مستعدة للهجوم ولكن المجهول قال بسرعة
-:" اهدئي انني آسف ولكنني شبهت عليك أحدا ما"
تمالكت نفسي واعتذرت أيضا فسألني هذا الشاب ذو الشعر البني والبشرة الحنطية التي تميزها تلك العينان الزرقاوان:" هل من الممكن أن تكوني إنجيلا؟"
اومأت بالإيجاب فقفز الشاب فرحا وهو يرقص فضحكت على سخافته..."لا أعلم لم يذكرني كثيرا بسيتلا" قلت في نفسي.
الشاب:" اسف لرقصي السخيف ولكنني كنت انتظرك منذ زمن بناء على أوامر والدي واسف انني لم استقبلك بالمطار فوالدي يمنعنني من الذهاب هناك بمفردي وهو مشغول.. وهو عمك بالمناسبة أي انني ابن عمك"
قلت في نفسي:"انه شاب غريب" بينما قلت له:" لا بأس" ليكمل هو
-:"انني ادعى آيدن بالمناسبة"
ابتسمت قائلة:" تشرفت بمعرفتك"
قام آيدن بحمل حقيبتي نحو سيارته السوداء لأجلس بجانبه وتبدأ رحلتي صوب منزلي الجديد.
 كان الصمت شديدا ولاحظت توتر آيدن جراءه ولكنه قال اخيرا
:"انني آسف على خسارتك"
صمت بعد هذه الكلمات فهل تشعر هذه العائلة بالشفقة نحوي فأجبته ببرود:"شكرا"
لاحظ تغير مزاجي فقال:"هل تعلمين ماذا يقولون عن نملة تحاول الوصول الى الضفة الأخرى عبر طريق سريع؟"
قلت لامبالية:"ماذا؟"
قال بتلعثم من شدة ضحكه:" نملة متهورة!"
 أقسم أن ضحكته هذه تدفع المرء للضحك رغما عنه فهو يضحك كالدجاجة وعلى أمور سخيفة كنملة متهورة... ضحكت حتى دمعت عيناي كما أنه كلما توقفنا عن الضحك عاد بنكتة أسخف من قبلها ليضحك هو أكثر وأنا أضحك على ضحكته... رحلة كمن يتعاطى الماريجوانا يجب علي القول.
  وصلنا الى طريق ترابي طويل عبره آيدن بالسيارة لتصير الأشجار محيطة بنا من كل جانب... المنظر رائع كما أن الطبيعة الخلابة تملؤ المكان وضجيج المدن بعيد عن هنا على عكس توقعاتي... بعد وهلة من الزمن استطعت رؤية منزلهم... أم علي القول قصرهم! فهو كبير جدا مبني من الحجارة القديمة البنية.. كان يحتوي على الكثير من النوافذ التي تزينت على جوانبها بأبهى انواع الزهور كما ان مدخل القصر كان بابا عملاقا وكأنه صنع لكائنات اكبر من حجم البشر كما ان هذا الدرج القصير نسبيا والمبني من الحجارة الذي يقود الى بابه اعطى طابعا قديما ملكيا..  شعرت بأنني داخل تلك القصص الخرافية.
لاحظ آيدن انبهاري فقال:" إذن ما رأيك؟"
قلت بعفوية:" انه كالقصص الخرافية رائع الجمال"
شعر آيدن بالفخر فهو منزله ثم قال:" شكرا ان لك عينا فنية"
قلت بإستهتار-:"لا اظن انني احتاج عينا فنية لرؤية ذلك"
رد بجدية-:"صدقيني بل تحتاجين فبعض الفتيات لا يعجبهن سوى الطراز الحديث وتلك البيوت الغبية بينما هذا المنزل ما يميزه هو دفئه وجوه العائلي"
ابتسمت وأجبته -:"انت محق كما أن هذا الدفيء الذي تتكلم عنه أغلى من أي شيء"
 تذكرت والداي من جديد لتعود أعاصير الجليد في داخلي تهب وترتطم بكل شيء  ولكن السيارة توقفت لننزل منها أخيرا.
  حمل آيدن حقائبي.. حاولت مساعدته ولكنه عنيد كما أنه ظل يردد شيئا حول كونه رجلا وأنا فتاة ولا يجوز ذلك فصمت وظللت أراقب ما حولي فالأجواء ساحرة جدا... اعتقد أن مارتن كان على حق.
 فتح الباب الخشبي الكبير فور وصولنا نحوه ولكن لم يكن هنالك أحد... هل هو باب كهربائي يا ترى؟ ولكن الداخل رائع الجمال!
  درج يتوسط هذه الغرفة وليس كأي درج بل كدرج الملوك في العصور القديمة كما أن سجادة طويلة غطته واخره انقسم الى درج على الناحية اليمنى واخر عكسه...ثريا عملاقة في السقف أشعلت الأجواء بتاريخ عريق لهذا المنزل... الجدران ذهبية اللون تمتلؤ بالصور العديدة لأناس لا أعرفهم ولكنني لم أطل النظر فآيدن طلب مني أن أتبعه نحو غرفة على يمين الدرج... تبعته لأدخل الى غرفة المعيشة فأجوائها ذات طابع مختلف ومريح على عكس غرفة الاستقبال الملكية تلك... هنا استطيع رؤية الغابة من تلك النوافذ التي كونت الجدار وأيضا هذه الارائك تبدو مريحة بحق وشاشة التلفاز العملاقة كما ان هنالك مدفأة كبيرة رسمت طابعا جميلا للغرفة.. اين أنا يا ترى؟
قلت وعلامات الانبهار ظاهرة:" ان بيتكم حقا رائع"
-:"انت لم تري شيئا بعد ولكنني أتساءل اين ميلا؟"
-:"ميلا؟"
-:"انها رئيسة الخدم"
قلت في نفسي:" وخدم أيضا...من يكون عمي يا ترى؟ حاكم سابق؟"
ضحكت فور تفكيري بذلك ليلتفت آيدن ولكنني صمت بسرعة ليقول:" هل يمكنك الانتظار قليلا؟ فعلي البحث عن ميلا والقيام بعدة اتصالات"
اومأت برأسي إيجابا فرحل هو لأرمي بنفسي على هذه الأريكة فأنا أكاد أموت تعبا...انها حقا مريحة كما توقعت.
شدني الفضول لمعرفة باقي العائلة فهل هم لطيفون كآيدن؟
      مرت عدة دقائق مليئة بالصمت وقد جلست حتى نملت أطرافي فقفزت من مكاني وبدأت أدور في هذه الغرفة الكبيرة... لقد تأخر آيدن كثيرا! هل نسيني يا ترى؟
  نظرت صوب تلك النوافذ المطلة على الغابة... لقد كان هنالك باب زجاجي صوب الخارج فعبرته من شدة الملل... لأقول:" ما أجمل نسيم الهواء هنا!"
 الحديقة الخلفية لهذا المنزل شاسعة... كما أن الغابة قريبة منهم وأيضا هنالك بحيرة.. هل اتجول قليلا ريثما يعود آيدن يا ترى؟
  لم انتظر من نفسي إجابة فقد بدأت بالسير على غير هدى فالأجواء هنا حقا منعشة... وصلت للمدخل الترابي الممزوج بالصخور ذو باب طبيعي مكون من الأشجار والذي يعبر عن بداية الغابة... أردت أن اخطو وقد كدت على ذلك ولكن صوت من خلفي صاح قائلا
-:"ماذا تفعلين؟"
إلتفت بسرعة لأرى رجلا عجوز يتمسك بعكازه فقلت
-:"كنت أتجول في المكان قليلا"
قال غاضبا:"وهل هو منزل والدك لتأخذي راحتك!؟"
شعرت بالالم والخجل بذات الوقت ولم أعلم ماذا أجيب فأكمل هو:"كيف تدخلين ممتلكات الغير بدون إذن وقد كدت أن تدخلي الى الغابة (صمت لبرهة ثم أكمل وتعابير وجهه تغيرت بالكامل فعيناه توسعت وإصفر وجهه قليلا لأقول بنفسي:"ان هذا عجوز يصلح للتمثيل حقا فتعابيره حقا مؤثرة" ليكمل العجوز) أم انك خرجت منها؟"
  حدسي أخبرني أنه ينتظر إجابتي فقد رفع عكازه صوبي وهو على نفس تلك التعابير لأقول
-:"انني إنجيلا وقد وصلت اليوم الى منزل السيد كينسون وهو عمي ولم أخرج من الغابة بل كدت أدخلها"
هدأ العجوز وعاد تدفق الدم طبيعيا لديه ليقول مع ابتسامة لا أعلم من أين خرجت:"اهلا بك يا عزيزتي لما لم تقولي ذلك قبلا؟"
رددت في نفسي:"وهل أفسحت لي المجال لأقول ذلك؟"ولكنني قلت وأنا أحاول الابتسام:"اسفة"
صمت لوهلة ومن ثم قفز من مكانه كمن تذكر أنه ترك بيته ليحترق فقال:"نسيت أن أقول من أنا!"
قلت في نفسي:"صباح الخير يا سيدي" ليكمل هو
-:"انني جدك ابراهام كينسون"
 لأكون صريحة لم أتوقع أن يكون هذا العجوز جدي فقد توقعت أن يكون جدي صارما أكثر ذو طابع عصبي دائم لا يضحك ابدا ولكن هذا العجوز مختلف.. قلبه ينبض بالحب رغم تسرعه بالحكم وكلامه الكثير.
الجد:" إذن ماذا تفعلين هنا يا ابنتي؟"
قال ذلك وهو يأخذ بيدي لنعود صوب المنزل فأجبته
-:" لقد كنت انتظر آيدن الذي أخبرني أنه سيعود بعد قيامه بعدة أمور ولكنه تأخر فبدأت بالتجول قليلا ريثما يعود"
هز الجد برأسه ومن ثم قال:"لا أقصد ذلك بل لماذا اتيت الى هذا المنزل؟"
تفاجئت لسؤاله فهل لا يريدني أن أكون هنا أم أنه لا يعلم بوفاة ابنه؟ تلعثمت ولم أعرف ماذا أقول ولكن قبل أن ابدأ بتفسير الأمر صاح آيدن نحونا
-:"انتم هنا!"
ركض بسرعة حتى أصبح أمامنا فقال
-:"لقد كنت ابحث عنك في كل مكان يا جدي وأنا اسف لتأخري يا إنجيلا"
-:"لا بأس"
الجد:"ماذا تعني بأنك تبحث عني؟ لقد رأيتك تتحدث على الهاتف قبل قليل.. حتى انك لم ترد على تحيتي أيها العاق!"
أشار آيدن نحو نفسه متفاجئا ورفع حاجباه قائلا:"أنا؟"
رفع الجد عصاه عاليا وبدأ باللحاق بآيدن لضربه بينما آيدن هرب من المكان وهو يحاول الاعتذار من جده... لم استطع تمالك نفسي عن الضحك فهما مضحكان جدا.
 تبعتهما الى الداخل ليجلس الجد تعبا على الاريكة وهو لا يزال غاضبا من حفيده الذي جلس على الأرض ليلتقط أنفاسه بينما أنا اراقبهما ولا استطيع التوقف عن الضحك لينظر نحوي الجد الغاضب... لم أعلم أن لدي القدرة على التوقف عن الضحك الشديد في المواقف الشديدة سوى الآن فهو لم ينتبه لضحكي قبل أن أضع قناع الجدية فقال لي:"انظر الى ابنة عمك وكن مثلها طيبة تتحدث معي وليس مثلك تهرب مني أيها الشقي! والان قد انهكتني وأنا اطاردك... سوف أنام قليلا ريثما يعد العشاء"
 نام جدي بسرعة لأنظر صوب آيدن ثم الجد وارفع حاجبي... تفهم آيدن ما أسأل عنه وقال:" اتبعيني"
 وقف وخرج الى الحديقة لأتبعه ثم قال:" ان جدي مصاب بالزهايمر فهو لا يتذكر خبر وفاة والداك وصدقيني نحن لا نريد تذكيره"
-:"لما؟"
-:"عندما علم بذلك أصابه حزن شديد تبعه أزمة قلبية كادت تودي بحياته فعمي كان ذو شأن كبير في قلب جدي كما أن رحيل عمي سابقا بسبب خلاف بينهما أثر عليه كذلك"
-:"أي خلاف؟"
قال آيدن رافعا حاجبه:" ألا تعلمين؟"
هززت رأسي نفيا وأنا أقول:" لا" ليكمل هو قائلا
-:" كان عمي ديفيد متهورا ويحب القيام بالمغامرات واستغلال مهاراته"
قلت متساءلة:" أية مهارات؟ أتقصد مهاراته في تنسيق الزهور؟"
صمت آيدن وفمه مفتوح بينما عيناه كانتا كالفلاشر ليقول متلعثما
-:" أجل ذلك.. وجدي لم يوافق فهرب عمي وغير اسم عائلته"
 كنت انظر نحوه بتساؤل عير مصدقة لتلك القصة ليقول بسرعة هلعا
-:"انت لم تخبري جدي بأي شيء, أليس كذلك؟"
-:"لا لم أفعل ولكن ماذا ان سأل من جديد؟"
-:"قال لي والدي أن عليك أخباره انك هنا للدراسة"
-:"حسنا ولكن اين عمي فأنا لم أره كذلك والدتك؟"
تغيرت ملامح آيدن وكأنني استحضرت طيفا حزينا او ذكرى ولكنه حاول الابتسام لي قائلا
-:"ان أبي لا يزال في عمله ومن المفترض أن يعود بعد ساعة من الآن بينما والدتي... (صمت آيدن قليلا ولكنه أكمل) لقد توفيت قبل عامين"
حزنت حقا لذلك فإعتذرت بسرعة ولكنه أخبرني انه لا بأس فقد تأقلم على الوضع... كاد أن يقول شيئا ولكنه تراجع ولكنني لم اسأل.
ساد الصمت من جديد... كنا نجلس على مقاعد خشبية نراقب الغروب... فقلت لأقطع شدة الحزن التي سادت مع هذه الذكريات
-:"آيدن كم عمرك؟"
جفل آيدن قليلا... يبدو انه كان شاردا في شيء ما قبل قليل ولكنه أجابني قائلا
-:"انني أبلغ الثامنة عشر من العمر وأنا في المرحلة الأخيرة من المدرسة.. ماذا عنك؟"
-:"انني أكاد أبلغ السابعة عشر كما وأنني في سنتي الأخيرة في المدرسة"
-:"انت تمازحينني؟!" قال ذلك بصدمة واضحة فضحكت بشدة وقلت
-:"لقد تخطيت بعض الصفوف"
-:"هذا مبهر.. إذن سوف تصيرين معلمتي من الآن فصاعدا فأنا سئ في ما يسمى دراسة"
ضحكت ووافقت على عرضه بشرط أن يصير سائقي الى هناك فوافق من فوره.
 كنت اشاهد جمال هذه الحديقة التي تحتوي على بحيرة... فقلت لآيدن
-:"ان هذه البحيرة جميلة ولكنها غريبة"
-:"ماذا تقصدين؟"
حككت أسفل رأسي من الخلف وقلت وأنا اعض على شفتي:" سوف تضحك إن أخبرتك"
بدأ آيدن بالضحك فقلت:" انت تضحك منذ الآن!"
كتم ضحكته ووعدني بعدم الضحك ولكن قبل أن اتفوه بأي شيء سمعنا صوتا ينادي على آيدن فإلتفت صوبه... لقد كانت سيدة ذات شعر أبيض رفع كله للوراء ككعكة منخفضة ترتدي فستانا لاسفل الركبة اسود اللون ارتدت فوقه مئزرا ابيض.. تعابيرها كلها جدية كآلي مبرمج على العمل.
آيدن:"ماذا هناك يا ميلا؟"
-:"إن العشاء جاهز كما أن والدك قد وصل"
-:"لقد فهمت شكرا لك"
 عادت ميلا الى الداخل وتبعهناها صوب غرفة الطعام.. حسنا اعتقد أن كل غرفة هنا تحمل طابعا مختلفا فهذه الغرفة تذكرني بمطعم بلدتنا الصغير.. ذات طابع عائلي دافئ وخصوصا تلك المدفئة وأيضا لا أصدق ذلك! لديهم جهاز موسيقى هنا كذاك الموجود في المطعم.
 جلست على أحد الكراسي بجوار آيدن على هذه الطاولة الكبيرة.. لم يكن عمي هناك بعد.
همست لآيدن:"آيدن!"
نظر نحوي هامسا:"ماذا هناك؟"
احمرت وجنتاي ولكنني قلت:"هل عمي عصبي أم لطيف؟"
ضحك آيدن ولكنه كتم ضحكته عندما بدأت أصبح كالبندورة فقال:"انه لطيف لا تقلقي ولكنه صارم"
أخذت شهيقا وزفيرا مريحا بعد ذلك فقد خفت أن يكون عصبي جدا وأن يكرهني وفجأة من حيث لا أدري شعرت بيدان توضعان على ركبتاي لأقفز فزعة من مكاني وطبعا صرخت صرخة رائعة دوت في أرجاء المكان ولكن حظي الرائع لم يتوقف عند هذا الحد فجراء قفزتي الرائعة صوب آيدن وقع هو وكرسيه وأنا فوقه... هذا سيداتي سادتي ما يسمى حظا عثرا ذو درجة جيد جدا... أتعلمون ما الذي جعله إمتيازا؟ أجل انه دخول عمي ومشاهدتنا على تلك الحالة.
 كان آيدن لا يزال يحلل ما حدث ولكنني قفزت من مكاني وبدأت الاعتذار بشدة من كليهما
العم بغضب:"ماذا حدث؟"
 وقف آيدن وهو يكتم ضحكته أمام والده لأقول بسرعة:"انني حقا آسفة ولكن شيئا ما أسفل الطاولة لمس ركبتاي فهلعت"
 تفقد آيدن أسفل الطاولة ولكن لم يكن هنالك شيء فإزداد إحراجي حينها ليقول العم ببرود
-:"لا بأس يا إنجيلا والآن هيا الى الطعام"
 عدت الى مكاني وكذلك آيدن بعد رفع كرسيه.. بدأت بتناول الطعام بهدوء وأنا أشعر برغبة بأن تبتلعني الأرض ولكنني غيرت الفكرة فلا أريد أن يحدث شيء مثل ما حدث عند آخر مرة تمنيت فيها ذلك... قطع حبل صمت الغرفة سؤال العم لي
-:"هل كنت تعرفين بأن لك أقارب يا إنجيلا؟"
تلعثمت ولكنني قلت:"لا يا سيدي"
-:"انت متبناة أليس كذلك؟"
-:"أجل منذ أن كنت في عمر الرابعة"
-:"ألا تعرفين أهلك الحقيقيين؟"
 سرحت بأفكاري عند ذكره لهذا السؤال فالاهل الوحيدون الذين يأتي تفكيري إليهم هم من تبنوني فلم أشعر حتى بالفضول لمعرفة من يكونون وهذا شيء كنت دائما ما استغرب نفسي عليه ولكن هذا ما أشعر به... أدركت انني تأخرت بالإجابة ولكن آيدن تدارك موقفي قائلا
-:"أبي إن إنجيلا تعبة جراء السفر ويبدو أنك تريد أن تباشر تحقيقا معها"
قال العم بصرامة:"ليس تحقيقا ولكنني أريد معرفة أصل الفتاة فهي سوف تسكن معنا منذ اليوم يا آيدن"
قلت بنفسي:"هل يظنني لصة!؟ لم قرر رعايتي إذن؟"
أجبته أخيرا:"لا يا سيدي لا أعرف من هم أهلي الحقيقيين"
هز برأسه وكأنه تدارك فكرة ما ليقول أخيرا
-:"ما رأيك بهذه اللوحة يا إنجيلا؟"سأل ذلك ولكنني لاحظت الصدمة على وجه آيدن بينما أشار والده صوب لوحة على الجدار.. نظرت نحوها فرأيت سماءا تمتلؤ بنجوم لامعة فقلت له بعد أن تمالكت نفسي من جمالها
-:"إنها رائعة الجمال!"
كان متجهما قبل لحظات وهو ينظر صوب آيدن ولكن فور سماعه لإجابتي تبدلت تعابيره لتساءل كبير فقد قال:"ماذا تقصدين؟ أقصد ماذا ترين؟"
قلت والابتسامة لا تبارح وجهي:"انني أرى سماءا تمتلؤ بنجوم لامعة"
ابتسم العم لأول مرة نحوي.. ابتسامة دافئة ومن ثم قال:"انها لوحة عائلتي الخاصة يا إنجيلا فأفراد عائلتي يقدرون هذه اللوحة وانت تقدرينها أيضا.. لذا مرحبا بك في عائلتي ايتها الفتاة"
كان آيدن يبتسم نحوي وهمس لوالده:"كنت أعرف ذلك يا أبي"
ابتسمت للعم وشكرته لأكمل عشائي وبعد إتمامنا له قال العم بعد أن هم بالمغادرة
-:"غدا هو أول يوم لكما في المدرسة فقد سجلت إنجيلا في مدرستك يا آيدن وعليك أن ترعاها جيدا"
آيدن:"حسنا يا أبي"
إنجيلا:"شكرا لك يا سيدي"
العم:"نادني بعمي منذ الآن"
توردت وجنتاي قليلا وقلت:"حسنا.. يا عمي"
 خرج عمي من الغرفة ولكنني لا زلت أتساءل ما سر هذه اللوحة فلاحظ آيدن حيرتي ليسأل
-:"ما بك؟"
-:"انني أتساءل لماذا رحب بي والدك فقط بعد أن أخبرته عن رأيي في هذه اللوحة؟"
بدا على آيدن الاضطراب قليلا ولكنه همس لي:"إنه أحد اسرار العائلة لذا إن اخبرتك هل تعدينني بأن يبقى هذا السر معك الى الابد؟"
-:"أعدك"
-:"حسنا إن هذه اللوحة.. روحانية بعض الشئ"
-:"ماذا تقصد بلوحة روحانية؟"
-:"أي أنها تظهر جوهرك فإن كنت تريدين شرا من هذه العائلة أو إن كانت غاياتك شريرة سوف ترين صورة لكنوز وجواهر تطيب الخاطر ولكن إن كنت ذات نية صافية فسوف ترين نجوما ولأكون صادقا معك لقد ظن والدي انك تنوين شرا لكون عمي قد رحل منذ زمن بعيد فلا تؤاخذيه على شكه"

ابتسمت له وشكرته على تفسيره وكما ان شك عمي شيء طبيعي فهو يريد خيرا لعائلته فقط.
     دلتني ميلا صوب غرفتي وساعدني آيدن بحمل حاجياتي.. الغرفة كانت رائعة يتوسطها سرير متوسط الحجم بملائات بيضاء وبنفسجية وكذلك كان لون جدرانها البسيط.. على يمينها كان هنالك باب يبدو انه حمام خاص كما انها تحتوي على نافذتان تطلان على ذاك المنظر الساحر، البحيرة والغابة.. لا أستطيع وصفها من شدة جمالها ولكن ميلا قالت:"لقد كانت غرفة والدتك فيما سبق يا إنجيلا"
تفاجأت لوهلة ولكن آيدن أكد ذلك فسألت:"هل عاش والداي هنا سابقا!؟"
آيدن:"أجل منذ زمن بعيد كما أن والدتك كانت شقيقة والدتي الصغيرة"
   كان معرفة ذلك شيء جميل فأنا لم اترك اخر ما تبقى من آثار لوالداي بل أمسيت أعرف اكثر عنهما... توجهت صوب الحمام بعد مغادرتهم لغرفتي وأخذت حماما دافئا لأخرج وأرمي بنفسي على السرير بعد أن اطفؤت الانوار ولكن ما جعلني أشعر بسعادة أكبر كأن رؤيتي للنجوم التي تلمع على سقف الغرفة فهي نفسها التي كانت في غرفتي القديمة.. شعرت بأنني في موطني.. يا له من شعور غريب ولكن جميل لدرجة انني استطعت النوم بسهولة.


اراء من فضلكم 🌌✏💙

تعليقات

المشاركات الشائعة