الفصل الحادي عشر: طيف قديم
الفصل الحادي عشر: طيف قديم
تسير الحياة بأسلوب معقد أحيانا دافعة إيانا صوب اليأس وهو الموت بحد ذاته ولكن نحن نغفل دائما عن شيء مهم ألا وهو أن مفتاح إطفاء اليأس وإنارة الأمل هو ملك لنا فنحن نجذب ما نفكر به وما نفكر به ينجذب نحونا.
استيقظت هذا اليوم وأنا أفكر بكل ما حدث البارحة.. تذكرت عشاءنا العائلي المميز ودقات قلبي السريعة ولا أنسى هذه الصديقة الجديدة.. لوسي!
كنا قد نمنا في الحديقة الخلفية بينما كنا نشاهد النجوم.. النجوم هنا لا يسعني وصف جمالها فكل ما هو بعيد عن صخب وأضواء المدينة هو شيء رائع كبلدتي.. لقد اشتقت لها.
نظرت بجانبي لأجد أن كلاري كانت لا تزال نائمة بعمق بينما تحتضن وسادتها.. انها كالأطفال تماما! على جانبي الآخر كانت لوسي النائمة بعمق أيضا.. ولكنني كنت أتساءل عن فحوى شعورها الآن فقد فقدت شيئا اعتادت على وجوده بجانبها منذ زمن طويل.. كنت سارحة في هذه السماء التي تتحول للون الأزرق تدريجيا بينما الجميع نيام أو هذا ما ظننته فقد سمعت صوت ارتطام أحدهم بشيء لأرفع نفسي بسرعة وانظر.. لقد كان لوك لأهمس له
-:" يا لك من مزعج!"
أجاب هامسا:" آسف ان كنت قد ايقظتك"
ضحكت بصمت ليقول:" ما رأيك أن تري شيئا بغاية الروعة؟"
وقفت من فوري وأصبحت بجانبه ليقودني نحو البحيرة ثم يشير بيده نحو منتصفها ليقول
-:" راقبي هذه البقعة فعند شروق الشمس تحدث معجزة تقريبا"
ابتسمت بتأمل ليطلب مني النظر فالوقت قد حان.. نظرت صوبها وأنا لا أصدق.. ولكنه حقا قد بدأ! فوميض أزرق أخذ بالظهور.. اشتد وميضه لبضع لحظات ثم انتشر على شكل خيوط ليصل إلى جوانب البحيرة ومن ثم تلمع هي بدورها لينتهي العرض بعدها معلنا عن شروق الشمس وبداية يوم جديد.
كنت لا أزال منبهرة مما رأيت كما ان شعورا غريبا بداخلي اراد مني القفز صوبها ليقول لوك ضاحكا
-:" لقد قلت لك"
قلت وانا اخرج تلك الفكرة العجيبة من رأسي:" انها حقا كالمعجزة! رائعة الجمال بحق!"
لم أكن حقا انظر للبحيرة فقد كنت معتادا على رؤيتها كل صباح على عكس وجه انجيلا فعيناها البنيتان كانتا تلمعان بوميض ساحر أثناء مراقبتها للبحيرة كما أن ابتسامتها المتفاجئة بما يحدث كانت لطيفة جدا! شعرت بأنها كالبحيرة بشكل ما.. كنت سارحا بشدة بها لأقول من غير تفكير
-:" ولكنها لا تساوي شيئا إن قورنت بك"
التفتت نحوي ببطؤ بينما وجنتاها كانتا حمراوان بالفعل.. كم أحبها عندما تخجل! ولكنها قالت متلعثمة محاولة لتغيير الموضوع
-:" هل تستيقظ دائما بهذا الوقت؟"
ضحكت لأجيبها:" أجل انني معتاد على ذلك"
أجابتني:" انت أنشط من ديك بلدتنا المزعج!"
قلت لها وأنا أمثل بجدية:" هل تشبهينني بديك مزعج؟ أتعنين انني مزعج؟"
قالت بسرعة وهي لا زالت تتلعثم:" لا! لا أقصد ذلك.. بل أعني أنك نشيط وهذا شيء جيد بالفعل.. وانت لست مزعجا كديك بلدتنا الذي اعتاد على إيقاظي بل أنت رائع على عكسه!"
-:" أنا رائع؟"
كنت لا أزال أراقب وجهها الذي يكاد ينفجر من الإحراج.. لم تعلم ماذا تجيب حينها لأبدأ بالضحك وأنا اقترب منها لأضمها نحوي لتقوم هي بإخفاء وجهها في صدري.. شعرت بأن قلبي يحلق حينها.. كانت لحظة رائعة استمرت لعدة لحظات قطعها قيام كلاري بالتكلم لنبتعد عن بعضنا بسرعة ولكنها كانت تتكلم في نومها لنضحك بصمت ثم نجلس على العشب.
قالت لي بعد صمت طويل:" لماذا تستيقظ في هذا الوقت المبكر دائما؟"
أجبتها بهدوء وأنا أحاول إخفاء ألمي:" لقد اعتدت على الاستيقاظ مبكرا لمساعدة والدتي في مشتلها الصغير"
-:"يبدو هذا جميلا.. ألا يزال هذا المشتل قائما؟"
اجبتها بنبرة حزينة بالنفي لتتساءل هي عن السبب ولكنني عن نفسي لا أعلم فأنا لم استطع دخوله منذ وفاتها لتقول هي بعد ان لاحظت صمتي الطويل
-:"يبدو اننا متشابهان اكثر مما تخيلت لربما أراد القدر أن نلتقي لنستطيع الشفاء فأنا ايضا لا زال الجرح يؤلمني بداخلي منذ وفاة والداي" قالت ذلك وهي تهمس ناظرة صوب البحيرة بهدوء وبتعابير حزينة وكأنها لم تعي انها تتكلم بصوت عالي ولكنها محقة فيما قالته فقد عاد قلبي للنبض بعد رؤيتها لأقول مستسلما لمشاعري
-:" لقد اشتقت لوالدتي"
أحسست بأنه يتألم.. اعتقد أن وفاة والدته قد تركت آثرا كبيرا في نفسه.. لم أعلم حقا ما أقول لأشعره بالتحسن فأمسكت بيده وقربتها نحو قلبي ليتفاجأ هو ولكنني قلت بهدوء
-:" سوف امتص حزنك.. لا تتحرك!"
ابتسم لحظتها لي ولكنه لم يتحرك بل ظل ينظر نحوي بهدوء وبدفء ليبدأ قلبي بالخفقان بسرعة ولكنني أغمضت عيناي لكي لا أنظر الى وجهه الذي سوف يسبب لي نوبة قلبية.. سمعت صوت ضحكه الصامت حينها لأضحك مثله ولكنني شعرت بموجة حارقة تسري صوب جسدي لم أفهم مصدرها وكأن نارا اشتعلت بداخلي حرفيا ولكن فجأة قال صوت من خلفنا
-:" صباح الخير" لأقوم بترك يد لوك بسرعة وإرجاعها الى مكانها كما أن شيئا لم يحدث ولكن هذا المغفل بدأ بالضحك.. التفت لأرى زائرنا.. لقد كانت لوسي التي جلست بجانبنا بعد أن رددنا التحية لتقول بشيء به بعد الفضول والضحك
-:" ماذا كنتما تفعلان قبل قليل؟"
أقسم ان وجهي سوف ينفجر من الاحراج! تمنيت الاختفاء من هنا ولكن لوك قال
-:" لا شأن لك يا ميرسي"
غضبت لوسي حينها وقالت:" لا تناديني بميرسي! لقد كان لقبي عندما كنت طفلة واتذكر اننا اتفقنا على عدم قوله يا لوك!"
كانت قد نسيت ما سألت فهي لم تسأل مجددا او تنتظر إجابة بعد أن هدأت فبعد أن سألتها عن كيف تشعر أجابتني بهدوء وهي تبتسم
-:" لأكون صادقة فأنا أشعر بجزء مفقود في داخلي.. ولكن من ناحية أخرى أشعر بأنني قد تحررت من عبئ ثقيل.. الغريب انني أشعر بالسعادة! فقوتي قد جعلتني أنانية كثيرا في العديد من المواقف معك ومع العديد من الناس "
كان لوك يستمع بصمت لتكمل هي:" انني آسفة لما فعلته يا إنجيلا!"
قلت بسرعة:" بل أنا اسفة فبسببي خسرت قواك"
قال لوك:" اسف بأسف يزيل الأسف ايتها الفتاتان"
ضحكت على كلماته بينما هو شاركني ذلك لتنظر لوسي لنا وهي تبتسم.
نظرت نحوهما.. لقد كانا يضحكان على شيء ما ولكن لوك البارد كان كمن أزيل عنه الجليد فقد كان اكثر من تأثر لوفاة والدتنا فربما كونه مرافقا دائما معها خصوصا انه كان برفقتها يوم الحادث.. انني سعيدة لرؤيته يضحك.. يعود الفضل الى هذه الفتاة التي تواصل مفاجأتي بشخصيتها.. انجيلا!
سرعان ما استيقظ الجميع ومن ثم جلسنا مجتمعين لتناول طعام الإفطار الذي حضرته ميلا في غرفة الطعام التي عادت كما كانت بفضل قدرة ميلا على الترتيب واعادة الشيء الى سابق عهده وذلك قبل أن ننفصل لمشاغلنا فلوك وكلاري يدرسون في الجامعة في سنتهم الثانية بينما راين في سنته الاخيرة... أبي ولوسي صوب الشركة لإدارة أعمالهما بينما شلة المراهقون نحن.. صوب دار الشؤم.. أجل المدرسة!
كان أبي قد أعاد لي سيارتي لينتهي عقابي الذي احسسته دهرا لأصطحب جاك الذي جلس بجانبي بينما إنجيلا جلست في الخلف لأنطلق بسرعتي الجنونية المعتادة نحو وجهتنا.
قال جاك ضاحكا:" لقد تسمرت إنجيلا من الخوف يا آيدن.. ابطئ قليلا!"
أخفض آيدن السرعة وهو يكاد يموت من الضحك على تعابير وجهي فأنا أخاف السرعة الشديدة ليقول بعد أن تمالك أنفاسه
-:" ماذا لو اختبرت سرعة لوك؟" ليضحكا مجددا
لوك سريع كالبرق حسب ما سمعته منهم ولكنني لم أرى ذلك ابدا من قبل.. هل سيكون مخيفا إن جربته؟ بماذا أفكر الآن!؟ لكمت نفسي وأنا أحاول عدم التفكير بمن يسبب الجنون لضربات قلبي.
في هذه الاثناء كان راين لا يزال يجلس بجانب السيد كينسون في منزله ليقول بعد مغادرة الجميع
-:" علي التحدث معك في موضوع مهم"
قال كيليب :" كلي أذان صاغية"
قال راين وهو يحاول كتم توتره:" هل لاحظت القلادة التي كانت بحوزة إنجيلا سابقا؟"
أجاب الآخر بهدوء:" أجل ولكن القلادة اختفت من تلقاء نفسها قبل تطور إنجيلا.. ربما لم تكن قلادة الموت بل قلادة عادية"
كان كيليب يرتشف كوبا من القهوة ليتساءل رافعا حاجبه ليكمل راين
قال راين: " انها قلادة الموت فقد رأيتها كما انها لم تختفي من تلقاء نفسها يا سيدي فقد قيدتها بتعويذة بعد أن اخذتها من انجيلا بالسر"
كل القهوة التي كانت في فم كيليب خرجت من الصدمة ليصيح قائلا:" ماذا!؟"
بدأ راين بسرد ما حدث ذلك اليوم في المشفى وخصوصا عندما لاحظ ظهور الظل الذي كان يحاول مساعدة إنجيلا ليقوم بعدها بأخذ القلادة والرحيل بسرعة بينما كانت نائمة فقوة القلادة تضعف بضعف صاحبها والعكس صحيح وبما ان جناحا من اجنحة الملاك الذي يحيط بالجوهرة كان قد اختفى بالفعل فهي قد سكنت كيان انجيلا وقد دعت ظلالها صوبها.
كان السيد كينسون يدور في مكتبه باستمرار بينما راين يحاول التفكير بحل يمنع القلادة من العودة لصاحبتها ليسأل السيد كينسون
-:" كيف وضعت تعويذة على القلادة؟"
قال راين:" لست أنا من فعل بل استعنت بمساعدة الساحر ليام ولكنه اخبرني ان القلادة قد تخرج عن السيطرة في أي لحظة وكأنها قد جنت"
-:"ذلك الساحر الجديد الطيب أليس كذلك؟"
-:"أجل هو ولكن ما يحيرني هو رغبة القلادة بإنجيلا"
-:" لا يزال أصل إنجيلا مجهولا بالنسبة إلي فأنا لا استطيع الوصول الى موقع أو اسم دار الأيتام التي أخذها شقيقي وزوجته منها فوالداها بالدم لا يمتلكان أية قوة لذا لا أفهم حقا موضوعها"
راين:" اعتقد أن عليك سؤالها عن هذا"
-:" لا أريدها أن تعرف بأمر بحثي عن دار الايتام فهذا سيء فمن الممكن أن تظن اننا نحاول اعادتها الى هناك"
راين:" انت محق"
بعيدا عن هنا.. كان دخول الأصدقاء الثلاثة للمدرسة محط أنظار الجميع وخصوصا ضحكهم الذي شد انتباه من لم ينتبه.
كنت أسير وسط جاك وآيدن وهما لا يزالان يضحكان على ردة فعلي عندما أسرع آيدن سابقا ولا أحتاج الى تذكيركم بصوت ضحكهم الذي يجعلني أبكي من الضحك.. ولكنني توقفت فقد لمحت نايل الذي كان ينظر صوبي نظرة ممزوجة بحقد شديد.. هل يحملني مسؤولية ترك جاك للمجموعة يا ترى؟
توجه آيدن الى فصله بينما جلست أنا وجاك نتحدث ريثما يحضر المعلم
-:" إذن؟"
نظر نحوي باستغراب وحرك رأسه بماذا لأكمل بهمس
-:" انت مستذئب!"
أقفل فمي بيده من فوره وطلب مني الهدوء ليهمس بعدها قائلا
-:" أجل ولا يجب عليك التفوه بهذا هنا"
-:" ولكنني أشعر بالفضول فهل قدرتك أن تصير ذئبا نابعة من كون والدك ذئبا أو والدتك أم انها هبة؟"
قال جاك بهدوء:" لدى المستذئبين نسلهم الخاص وهو ينحدر من نسل ستيفان"
-:" انني حقا لا أفهم ماذا تعني بنسل ستيفان وهنالك ابراهام أيضا"
جاك:" هذه القدرات الغريبة والعالم السحري الذي رأيته بدأ كله عندما قام شخص يدعى براون بإيجاد البلورة فقد امتلك حينها قوى عديدة وهي أن يصير مستذئباً بالإضافة الى امتلاكه لقوى العناصر والقدرة على الطيران أو هذا ما ظنه فبعد أن تزوج أنجب أربعة أبناء أكبرهم ابراهام وقد ورث عن أبيه التحكم بالعناصر.. يليه ويليام وقد ولد بهبة وهي القدرة على السفر عن بعد ثم ستيفان الذي يمتلك القدرة ليصير مستذئبا وأخيرا تشارلز الذي بقي بدون قوة"
-:" بدون قوة؟"
وفجأة دخل المعلم ليصمت الجميع وينتهي حوار الصديقين ببداية شرح ممل.. يا له من أمر! لقد كنت أريد الاستماع الى باقي هذه الحكاية ولكن اعتقد انني فهمت كل شيء فنسل كل واحد من الأبناء قد تتابع بالقوى حتى هذا اليوم ولكنني أحزن على تشارلز بحق.
انتهت هذه الحصة المملة لينام جاك كعادته بينما أنا كنت أحاول الانتباه رغم النعاس الشديد فهل أحسستم يوما أن صوت المعلم كأنغام النوم؟ تشد بجفونك لتنزل شيئا فشيئا ثم يتم إيقاظك بصوت أسوء من صوت المنبه ولكن لجاك الأمر مختلف فلقد اعتاد المعلمين على حالته حتى سئموا من مواصلة إيقاظه كما أن درجاته ممتازة رغم نومه.. ولكن حقا لم يستمر في النوم هكذا؟ أشعر أحيانا انه يريد الهرب من الواقع بفعله ذلك.
بعد خروج المعلم اقتربت نحوي تيسا تلك الفتاة ذات الجديلتين والتي لا تغير هذه التسريحة ولكن من هذه التي بجانبها.. فتاة جميلة بحق ولكنها تذكرني بأمي قليلا فشعرها كستنائي مثلها بينما باقي ملامحها كانت لطيفة وتدل على طيبتها ولكن ما الذي تفعله مع تلك الجاسوسة؟
وقفتا أمامي لتقول تيسا:" اهلا إنجيلا لم أرك منذ أيام! لقد اشتقت لك يا فتاة!"
قلت في نفسي:" يشتاق لك عزرائيل!" ولكنني اكتفيت بالابتسام لها لتكمل تيسا وهي تشير صوب الفتاة الأخرى
-:" لقد كانت هذه الفتاة تبحث عنك ولكوني صديقتك قمت بمساعدتها"
قالت الفتاة:" مرحبا إنجيلا.. لا أعلم ان كنت تتذكرينني فآخر مرة التقينا كنتي صغيرة ولكنني ادعى نورا"
نظرت نحوها وأنا لا أزال أحاول التذكر لتقول هي ضاحكة
-:" هل تذكرتني يا لورا؟"
دخلت في دوامة ذكريات اعادتني لفصل قديم طويته منذ زمن طويل لأقول متفاجئة بعد ان تذكرت:" نورا!"
بدأت عيناي تذرفان الدموع لا إراديا بينما جاك قفز من مكانه ذعرا فقد سقط كرسيي وانا أهم بعناق هذه الفتاة فلم الحظ أي شيء آخر فلقب لورا لا يناديني به سوى شخص واحد فقط.
تساءلت بعد أن تراجعت قليلا للوراء بعد عناقها:" ولكن ماذا تفعلين هنا؟"
نظرت نورا نحو تيسا الفضولية التي تزال تحاول فهم علاقتنا لتقول لها:" شكرا لمساعدتي يا تيسا.. يمكنك الذهاب الآن"
ضحكت على أدبها في طرد تيسا ولكنها أجابت قائلة
-:" لقد أتممت الثامنة عشر لذا كنت حرة للذهاب من قيد من تبنوني فأنت تذكرين ماذا حدث وقتها أليس كذلك؟"
عادت ذاكرتي للماضي.. ماضي بعيد قبل اثني عشر سنة وأنا لا أزال لا أصدق انني أتذكر ولكن كنا في ذلك الميتم الصغير القاسي الذي اعتادت المسؤولة عنه على معاملتنا كالحيوانات.. وجبتين في كل يوم لا تسدان الجوع.. لا يسمح لنا باللعب سوى في عطلة الأسبوع بعد انهاء أعمالنا كلها.. كان قاسيا لدرجة ألا أنساه فعلى الرغم انني كنت أبلغ الرابعة من العمر فقط إلا انني كنت أعمل كذلك.. لربما هذا هو السبب الذي دفعني الى تعلم الفنون القتالية كغريزة للبقاء تولدت لدي بسبب طفولتي.
كان يوما شديد البرودة وكنا أنا ونورا وبضعة فتيات أخريات ننام في غرفة صغيرة لا تحتوي على أي إمكانيات للدفء وكذلك أغطيتنا كانت خفيفة كملابسنا.. لم نستطع النوم أنا ونورا يومها من شدة البرد فقد خفنا ألا نستيقظ مجددا إن فعلنا.. الخوف تملكنا بحق.
كانت نورا تبلغ السادسة من عمرها ولكنها كانت تتحمل ما لا يتحمله طفل في العاشرة فقد اعتادت المسؤولة على ضربها بشدة كونها لا تصمت عن الحق.. جسدها كان هزيلا مزرقا ومحمرا في عدة أماكن.. همست لي بصوت لا يكاد يسمع
-:" لورا ماذا لو هربنا؟"
أجبتها بخوف شديد:" لا فقد تعاقبنا المسؤولة بشدة!"
-:" ولكنني لا أستطيع احتمال هذه المعاملة القاسية!"
كان وضعنا صعبا جدا فلا تذكرة للرحيل من هنا الا عن طريق تبنينا وهذا كان صعبا فموقع الملجأ لم يكن بمكان سهل العثور عليه..
لم نتجرأ على الهرب ابدا ولكن أثناء تنظيفنا للملجأ ذات يوم سمعنا حوارا يدور بين المسؤولة وأحد زوارها.. كانت لطيفة بالحديث بشكل مخيف فقد اعتدنا على صراخها الدائم
قال زائرها:" نحتاج الى فتاة صغيرة لنستطيع إتمام بعض الأمور العالقة"
-:" يمكننا توفير ذلك بسهولة ولكنني أحتاج الى معرفة السبب يا سيدي"
قال الرجل متأففا:" أحتاج إليها لأن زوجتي المريضة تتمنى طفل وأنا حقا أكره الأطفال ولكنها زوجتي الغنية الساذجة فبعد تحقيق أمنيتها لربما تستطيع هي الثقة بي من جديد.. ولكنك تعلمين انني لا أريد مجرد طفلة عادية"
ضحكت المسؤولة ضحكة شريرة أخافتني جدا لتقول:" لدي طلبك يا سيدي"
كانت تلك آخر مرة أرى بها صديقتي نورا التي شاركتني رعب هذا الميتم الظالم.
عدت للواقع لأجيبها:" أجل أتذكر ولكن ماذا حدث لأمك الجديدة وزوجها المخيف؟"
أحسست بأنها تتألم ولم تستطع الإجابة فهي قد غيرت الموضوع بسرعة قائلة
-:" أنسي الأمر.. ماذا عنك فكيف هربت من قبضتهم؟"
قلت لها وأنا أتذكر والداي:" لقد تم تبنيني او بالأحرى انقاذي بواسطة زوجين رائعين وحنونين جدا.. كانا حقا مصدر السعادة لي"
علقت نورا:" كانا؟"
جاء الأستاذ حينها لينقطع حوارنا الذي كان جاك مصغيا إليه ومن ثم تعود نورا لفصلها..
همس لي جاك أثناء شرح المعلم
-:" من هذه؟"
ابتسمت وأنا أقول:" صديقة قديمة"
-:" لماذا تناديك لورا؟
ابتسمت في اللاوعي مع طيف دموع ارادت النزول وقلت ببطؤ:" انها قصة طويلة"
رؤيتها أعادت لي ذكريات حزينة.. فذكريات منشأي لم تكن دافئة كما يجب أن تكون.. عادت بعض من زخات المطر تنهمر في قلبي.. تذكرت جنون المسؤولة التي كان يجب على أحد إيقافها.. ضربها للأطفال وحرمانهم من أبسط حقوقهم.. هل ظل ذلك الملجأ قائما يا ترى؟
حان وقت الاستراحة أخيرا لتطل نورا من جديد وكذلك آيدن ليتعارفا ولكن جاك كان صامتا بشكل مريب فهو لم يتحدث كثيرا.. أجل هي عادته ولكن ليس أثناء وجود آيدن.
قال آيدن:" لدي خطة جهنمية للتنفيذ! من مستعد؟"
رفع جاك يده بينما كان يتصفح هاتفه لأقول:" أنا مستعدة ماذا عنك يا نورا؟"
-:" لا تعجبني تعابير وجه آيدن لهذه الخطة.. سوف أذهب لقضاء بعض الأمور.. استمتعي انت وأراك لاحقا!" قالت ذلك كآلي مبرمج لترحل بعدها بسرعة.
آيدن:" ما بها؟"
هززت برأسي جاهلة للإجابة ولكن آيدن عاد بحماسه وأمسك بيدي ويد جاك وركض خارجا ليصيح جاك قائلا
-:" آيدن أيها الغبي! الى أي مصيبة تصحبنا هذه المرة؟!"
ضحك آيدن وقال:" انت من تطوعت للأمر.. ليس لي دخل الآن ولا مجال للتراجع فالحلبة جاهزة!"
تعليقات
إرسال تعليق