الفصل الثالث: وداعا يا بلدتي
الفصل الثالث: وداعا يا بلدتي
كانت عيناي تنظران الى الأسفل.. وجهتي صارت محددة.. بدأت برفع نفسي على هذه النافذة.. سأقفز! قلت ودموعي تجمدت منذ ساعات كقلبي الذي كسر.. سمعت صوت فتح الباب ببطؤ فقفزت للوراء وعدت بخوف الى مكاني.. كانت ستيلا التي جفلت عندما رأتني.. كانت معالمها كمن رأى وحشا ما.. لربما أنا وحش حقا فالجميع يتركني ويرحل.. أنا المسبب الأول للمشكلات هنا.. هي لم تبقى ولم تدخل بل التفت وخرجت...يبدو انها لا تزال غاضبة مني ولكن لم عادت يا ترى؟ ولكن لم يبقى في داخلي شيء لأشعر بالفضول.. بالأسى لأنني أخفتها.. فقد أشعر بالجليد في داخلي.
عدت الى سريري ونمت بدون تبديل ملابسي. بدون أن أزيح الغطاء حتى.
أزعجتني أشعة الشمس التي ضربت وجهي لاستيقظ.. كان هنالك غطاء فوقي فعلمت أن ستيلا والتي لا تزال نائمة على الاريكة في غرفتي قد وضعته علي. نظرت نحو الساعة بجانبي فكانت لا تزال السادسة بينما موعد رحلتي في تمام الساعة الثالثة عصرا.. رفعت نفسي وسرحت في السماء.. أحب لونها البرتقالي الممزوج بالأزرق كما أن اللون الأسود ظاهر بدرجة لا بأس بها.. انها نهاية الشروق.. انها بداية يوم جديد وأنا لا أزال حية ارزق.
توجهت نحو الحمام في غرفتي لأقف أمام المرأة أمامي وانظر الى نفسي.. قميصي غير مرتب وكذلك شعري المتطاير في كافة الاتجاهات.. عيناي تحملان في طياتهما بعض الاحمرار من شدة البكاء.. كان منظري فظيعا فبدأت بترتيب ما أراه حتى شعرت بالرضا ولكنني لمحت أن القلادة التي قدمها لي ذاك العجوز والتي ارتديتها فور اهدائها لي كانت قد فقدت احدى اجنحة الملاك التي تحرس حجرها الاحمر.. يبدو انني لا أصلح للاعتناء بجماد فكيف الحال مع البشر.
خرجت بعد أن استحممت ولكنني لم أرى ستيلا... هل كنت اتخيل انها هنا يا ترى؟
نزلت نحو المطبخ ولكن لم يكن هنالك أحد هنا ايضا... هذا غريب!
سمعت دق الباب ففتحته لأرى ستيلا أمامي ودموعها لا تزال تهطل وقبل أن أقول أي شيء قفزت تحتضنني مما أوقعني أرضا ولكنها استمرت بالتأسف ع فظاظتها معي ولكنني بادلتها العناق وبدأت بالتأسف مثلها.
ولكن ستيلا بدأت بالضحك وقالت:" حالنا يرثى لها يا صديقتي"
بادلتها بالضحك ولكنها قفزت من مكانها قائلة:" أعلم انني اتيت باكرا ولكنني كنت أفكر طوال الليل كيف سنقضي آخر يوم لنا قبل أن نفترق"
رفعت حاجبا وقلت:" ألم تأتي الى هنا ليلة البارحة؟"
قالت ستيلا باستغراب:" لا فقد كنت لا أزال غاضبة وخفت إن أتيت أن اتفوه بأمور سوف أندم عليها ولكن هذا لا يهم الآن فوجهتنا هي بيت الجليد في المدينة"
قلت بتوتر:" ولكن.." ولكنها قاطعتني بأن علينا أن نجهز بسرعة فساعاتنا قليلة.
ارتديت فستانا ذو الوان زاهية قد احضرته ستيلا فقد أصرت أن ابدو بكامل اناقتي اليوم كما انها سرحت شعري بطريقة جميلة وقالت بعد أن انتهت
-:" تبدين جميلة جدا يا فتاة! (لتكمل جملتها ضاحكة) على عكس ملابسك السابقة فأنت تبدين كالشباب"
قلت ضاحكة:" تصحيح... شاب وسيم"
تلعثمت ستيلا من كثرة الضحك قائلة-:" هل تذكرين تلك المرة عندما كنتي ترتدين قبعة تخفي شعرك؟"
أخفيت وجهي وبدأت بالضحك فمشاعر الاحراج والضحك اختلطت حينها فقلت:" كيف لي أن انسى ذلك ولكنني لا زلت أشعر بالفضول حيال العديد من الأمور"
-:"وأنا أيضا وخصوصا عن تلك المسعفة الماهرة فجرحك اختفى تماما حينها"
استمرينا بالضحك حينها وأتممنا تجهيز حقائب سفري لننطلق نحو المدينة ليوم ممتع أخير وأثناء سرحاني في نافذة السيارة تذكرت ليلة أمس... لقد كانت ستيلا ولكن ستيلا قالت انها لم تأتي... هل جننت يا ترى؟
قطع حبل تفكيري مرورنا في شوارع المدينة فهنا حصل ذلك العراك الغريب... انتهبت أن ستيلا قد تذكرت ذلك أيضا ولكننا استمرينا بالصمت حتى وصلنا الى وجهتنا.
-:"إن الساعة لا تزال العاشرة ولدينا الوقت لنستمتع يا إنجيلا"
قالت ستيلا ذلك وهي تقفز فرحا أثناء دخولنا لأضحك على منظرها ولكنني توقفت عندما لاحظت أن هنالك الكثير من الأنظار المصوبة نحونا فهمست لستيلا بذلك لتقول ضاحكة
-:" كان علي أن ارغمك على ارتداء هذه الملابس منذ زمن يا فتاة فالشبان لا يستطيعون إزاحة أنظارهم عنك"
احمرت وجنتاي لذلك فأنا لا أحب أن الفت الانتباه ولكنني سرعان ما نسيت الأمر عندما ارتديت زلاجاتي برفقة ستيلا وكنا نقف استعدادا للدخول نحو الحلبة... يا لها من مساحة كبيرة للاستمتاع وجمال المكان لا أستطيع ان اصفه.
قالت ستيلا:" هل تستطيعين التزلج؟"
ابتسمت وقلت:" لم يسبق لي التزلج على الجليد ولكنني أشعر انه كالتزلج على الأرض"
ردت بجدية:" لا يهمني ذلك المهم أنك تستطيعين التوازن أما أنا فلا أستطيع لذا عليك منع حدوث أي احراج لي"
ضحكت بشدة وقلت:" حسنا لا تقلقي... هاتي يدك"
أمسكت يد ستيلا وخطونا معا داخل حلبة الجليد... كان زلقا للغاية فكدنا أن نقع ولكننا توازنا بطريقة ما لنستمر بالضحك ولكن الزلاجات بدأت بالسير وحدها نحو الأمام
ستيلا بهلع وضحك:" كيف نوقف هذا الشيء؟!"
لم أقدر أن اتوقف عن الضحك وقلت:" لا أعرف"
بدأ بعض الأطفال بالتزلج حولنا لتصيح ستيلا:" كش، كش ابتعدوا من هنا!"
ولكن فتى تزلج من بيننا لتلتف ستيلا مرارا بعيدا عني وهي غير قادرة عن التوقف بينما أنا حاولت الإمساك بها ولكنني لم اتوازن وعندما كدت أن أنجح بذلك دفعني فتى نحو ستيلا لأصير غير قادرة على التوقف... حادث اصطدام هذا ما سوف يحدث.
صرخنا ولكن بأخر لحظة سارت ستيلا أسرع مني فلم اصطدم بها ولكنني بدل ذلك وقعت على الأرض لتصير ضحكات ستيلا اعلى من تلك الأغاني التي تبث هنا.
أردت من الأرض أن تبتلعني في تلك اللحظة من كثر الإحراج ولكنني لم أقصد ذلك حرفيا.. "أحيانا يقولون احذر مما تتمنى أليس كذلك؟"
وفجأة بدأ المسؤول بالصراخ على الجميع بالخروج من الحلبة فخطأ فني في درجات الحرارة الخاصة قد حصل لتبدأ الأرض تدريجيا بالتفكك... هذا ما ينقصني حقا فأنا ممددة في وسطها لا أستطيع النهوض بينما ستيلا قد استطاعت الوصول الى أطراف الحلبة ولكنها هلعت عندما وجدتني كما تركتني آخر مرة فبدأت بالصراخ قائلة
-:" إنجيلا ماذا تنتظرين؟ هيا اخرجي!"
حاولت الوقوف بصعوبة لأنجح بالنهاية ثم بدأت بمحاولة دفع نفسي نحوها ولكن كنت مخطئة فالتزلج صعب حقا... ماذا سوف أفعل؟
أحست ستيلا بحيلة صديقتها فدخلت صوبها بعد أن دفعت بنفسها عن الجدار ولكنها نسيت أنها لا تستطيع التزلج أيضا! فبعد أن وصلت الى صديقتها تذكرت ذلك مما جعلهما تضحكان.
بدأت الأرض أسفلنا بالتفكك فدفعت ستيلا بعيدا لأقع في الماء... قلت
-:" انه دافئ هذا غريب"
ولكنني لاحظت انني دفعت ستيلا في الاتجاه الخاطئ فهي قد وقعت في الماء من جهة أخرى فلعنت غبائي ولكنها قالت ضاحكة
-:" ان الماء لطيف ولكنك غبية حقا"
قبل أن أستطيع الرد عليها سحبني شيء من الأسفل لأغوص في الماء رغما عني... استطعت فتح عيناي بينما كنت أحاول تحرير قدمي لألمح ضوءا احمر يخرج من القلادة التي كنت ارتديها... ضربت بقدمي الأخرى شيئا ما وأحسست ان ضربتي قوية فأنا لا زلت ارتدي الزلاجات كما وأن الشيء الذي أمسكني قد أفلت...ولكنني كنت كمن التصق بالقاع تقريبا كما وأن الهواء كان ينقصني بشدة... حاولت الوصول الى الأعلى ولكن قواي كانت تخور تدريجيا حتى احسست انني لن أصل ولكن فجأة يد ما أمسكت بي وسحبتني نحو الأعلى.
ستيلا تجلس بجانبي على الكرسي وأغطية وضعت فوقنا... كنت قد استعدت وعيي قبل لحظات ولكنني لم أجد من أنقذني فقلت لستيلا بعد أن سألتني إن كنت بخير
-:" انني بخير ولكن من أنقذني؟"
-:" انه شاب ما ولكنه خرج فور إنقاذك وهذا كان غريبا فهو حتى لم يتفوه بشيء. كالرجل الآلي تقريبا"
-:" العديد من الأمور الغريبة تحدث ألا تلاحظين ذلك؟"
-:" اعتقد انها صدف فقط"
-:"أتعتقدين ذلك؟"
-:"أجل، أجل كما وأن السباحة كانت ممتعة بشكل ما"
ضحكت معها ومن ثم خرجنا صوب السيارة ولكون ستيلا شخصا يخطط كثيرا كان لدينا غيار إضافي ولكنها كانت عادية على عكس ذلك الفستان الذي ندمت على ارتداءه فحمدت ربي على ذلك.
كانت ستيلا تقود ولا أدرى الى اين ولكنها قالت:" ما رأيك إن توقفنا لتناول الطعام في مكان ما فنحن لم نتناول إفطارنا وأنا اتضور جوعا"
-:"انت دائما جائعة ولكن حقا اين تذهبين بما تأكلينه؟ فجسدك كعارضات الأزياء"
ضحكت ستيلا وبدأت بالتفاخر بهذا الأمر ليستمر الحديث من جديد والضحك الذي يمتزج فيه... يا ترى كيف سأرحل واترك هذه اللحظات؟
كنا قد وصلنا البلدة لتتوقف ستيلا أمام مطعم بلدتنا المتواضع لابتسم عندها فقد تذكرت جميع ذكرياتي السعيدة فيه برفقة والداي وبرفقة ستيلا ولكن عند دخولي تفاجأت بأهالي بلدتي الذين رغبوا بتوديعي.. البلالين الجميلة الملونة تحيط به.. الطابع الريفي في هذا المكان جلب شعورا أسريا شديد الروعة.. اقتربت مالكة المطعم دورين ذات العيون الحنونة.. كنت أحبها فركضت نحوها واحتضنتها تلك السيدة السمينة ذات البشرة الداكنة.. تعابير وجهها صارمة دائما ولكن قلبها عسل طبيعي وخلفها رأيت روك صاحب المتجر المجاور لمتجر والداي فعانقته أيضا
دورين:" صغيرتي كبرت وسوف تسافر"
روك:" لو كان والداك هنا لفخرا بإصرارك وقوتك يا عزيزتي"
تابعته بعض الأصوات لأرحب بهم جميعا واشكرهم على مفاجئتهم لي ليقول روك
-:" لم تري شيئا بعد يا صغيرتي"
ليرفع يده صوب شابين يحملان كعكة كبيرة جدا صوبنا وتبدأ الأغاني بالعزف من جهاز الأغاني القديم الكلاسيكي في الزاوية.. كان قديما لدرجة لا يعمل الا عند وضع قطعة معدنية به.. تناولت الكعكة اللذيذة ودموعي تكاد تنزل ولكنني تحملت ولبست قناع القوة.
أكملنا احتفالنا وختم بتقديم الهدايا الجميلة من بعض الحضور.. فقد قدمت لي دورين كتابا وهمست لي بأنني سأحتاجه جدا في حياتي.. وروك الرجل الطويل النحيل الذي يرتدي دائما قبعة حمراء قدم لي mp3 لاستمع الى أغاني بلدتنا التي قام بتسجيلها عليه.. الأماكن الصغيرة أكثر دفئا فبلدتنا رغم صغرها دافئة تملؤنا بالحب.. لقد اعتدنا على إقامة الحفلات في منزلي القديم ليجتمع معظم سكان البلدة ونغني بسعادة.
انتهت تلك الحفلة بوداع الجميع لي بمن فيهم دورين التي ذرفت دموعا لرحيلي.. لقد كانت المرة الأولى التي اراها تبكي. احتضنتها لنكمل طريقنا نحو منزلي ومن ثم المطار.
في السيارة برفقة والد ستيلا وستيلا التي أصرت البقاء معي حتى اخر لحظة... ذرفت بعض الدموع وانا أرى تلك اللافتة الخشبية التي ترحب بالزائرين لبلدتنا.. لقد رحلت عنك يا بلدتي.
قلبي لم يعد جليدا في هذه اللحظة بل بركانا على وشك الانفجار فبمقدار رغبتي بكون اسرة لي ولكنني لا اريد أن اخسر موطني ومن فيه... لا اريد الابتعاد وأن أكون وحيدة فأنا لا أعرف أحدا هناك!
عندما تريد من الوقت أن يصير بطيئا يصير سريعا فها أنا في المطار الآن أقف أمام ستيلا التي تحاول أن تتمالك نفسها ولا تذرف الدموع... عانقتها بقوة وهمست لها بأنني سوف أعود وهذه لن تكون النهاية فصداقتنا أقوى من فراق ساذج كهذا"
كانت تبكي ولكنها ابتسمت ليتم الفراق وترحل كل منا في طريق لأول مرة منذ أن التقينا".
بلشت الاحداث 🔥🔥
ردحذف💥😀😁
حذف