الفصل الثاني: الرحيل ام البقاء

 


 الفصل الثاني: الرحيل أم البقاء

بعد أن أخذت حماما طويلا تمكن من جمع بعض فتات قلبي خرجت للمطبخ الجميل ولكنني تسمرت على بابه وكذلك دموعي.. قلبي قد توقف حرفيا للحظة كما أن جسدي بدأ يرتجف فأنا أرى خيال والدتي ... كانت تعد الإفطار وهي تبتسم وكذلك على الكرسي بجانب الطاولة يجلس والدي يقرأ الجريدة الصباحية كالعادة.
 -:" انه وهم يا إنجيلا!" رددت في نفسي وأنا اتصنع القوة لأسير بخطى ثابتة وابدأ بإعداد الإفطار فستيلا لم تستيقظ بعد كما أن الخيال قد اختفى.
 على السرير في غرفة إنجيلا كانت ستيلا لا تزال نائمة تحلم بفارس أحلامها على حصانه الأبيض مبتسمة... ولكن فجأة ومن دون سابق إنذار سمعت صراخا أيقظها بهلع لتقفز من مكانها وتركض ناحية الصوت... نزلت الدرج بسرعة وكادت أن تقع ولكنها توازنت واتجهت صوب صديقتها التي كانت تتحدث عبر الهاتف لتقف بجانبها وتراقب عينيها التي فتحتا على أسرهما من شدة الصدمة لتستمع بهدوء وعلامات التوتر على وجهها ظاهرة.
-:"حسنا إلى اللقاء"
عندما انتهت المكالمة كانت إنجيلا متجمدة مكانها ولكن ستيلا قامت بهزها قليلا قائلا
-:" إنجيلا ماذا حدث؟ من كان على الهاتف؟"
نظرت إنجيلا نحو صديقتها وتلعثمت وهي تحاول أن تقول شيئا لتذهب ستيلا بها الى الكرسي وتجلسها ومن ثم تحضر لها كوبا من الماء لتشربه
ستيلا:" إذن؟"
إنجيلا:" لن تصدقي ما سمعت على الهاتف!"
كان صوتها هادئا ولكن لمعة في عينيها لمعت بشدة لأبتسم لا اراديا فتكمل هي
-:" أنا لن اذهب الى دار الأيتام من جديد فيبدو أن لدي عما!"
 قفزت ستيلا فرحا لتبتسم إنجيلا فخبر أنها ليست "مقطوعة من شجرة" خبر رائع لها... أحست بأن هنالك أملا ما... كانت سعيدة حقا.. ولكن الشك داهم عقلها فكيف ظهروا فجأة من العدم.
 بعد احتفالهم ام علي القول احتفال ستيلا الذي استمر على شكل قفزات عالية من قبلها التي لم تهدأ والضحك عليها من قبل إنجيلا طلب التفسير لكل هذا لتهدأ إنجيلا وتقول
-:" لقد كان الطبيب مارتن المسؤول عني على الهاتف"
-:" أجل؟"
-:" أخبرني أن الشرطة كانت تبحث عن أقارب لي فأنا لا زلت قاصر ولا يمكنني العيش هكذا حسب قولهم"
-:" إذن؟"
-:"لقد تبين لهم أن اسم والدي الأخير لم يكن لاكينسون بل كينسون وسوف يأتي الطبيب مارك الى هنا ليكمل لي الحكاية"
-:" أخبار مثيرة ولكنني جائعة"
 ضحكت إنجيلا وقالت:" انت دائما جائعة!"
تبعت ستيلا رائحة الفطائر وهي تقول:" أحب الطعام"
 تناولتا الفطائر التي أعدتها إنجيلا ومن ثم أتمتا العمل بالمطبخ لتصعدا وترتديا ملابسا ملائمة لاستقبال الطبيب وقد اعتذرت ستيلا من إنجيلا بأنها لن تستطيع البقاء في منزلها رغم انها لم تقرر المبيت سوى البارحة بسبب وقوع والدتها بالأمس وكسرها لقدمها فاستسلمت الاخرى للأمر فتغيير مؤكد سوف يحدث.
 
 كان الوقت يمضي ببطؤ حتى حان موعد وصول الاخبار المهمة فودعتني ستيلا ولكنني تمسكت بها وتوسلت لها للبقاء فأنا كنت خائفة من سماع الحقيقة ولكنها قالت
-:" انت إنجيلا لاكينسون وبوسعك تحمل الأمر كما وأني أحتاج الى الاطمئنان على والداي"
أخذت شهيقا تبعه زفير طويل وقلت:" حسنا ايتها الصديقة الخائنة"
ضحكت ستيلا بشدة وذهبت لأبقى وحدي في هذا المنزل الجميل الموحش.
سرحت في أفكاري وتتابعت توقعاتي لما يمكن أن تكون ردة فعل أسرتي الجديدة بي حتى قطع حبل أفكاري رن جرس المنزل.
 قفزت من مكاني ونظرت لنفسي نظرة أخيرة في المرأة... كان شعري البني المموج الطويل مرتبا وكذلك قميصي الشبابي ذو الكاروهات الملونة المفتوح وأسفله تي شيرت سوداء وبنطال اسود ضيق وحذاء شبابي أيضا فأنا أحب ارتداء هذا النوع من الملابس.
استقبلت الطبيب ذو الابتسامة الدافئة لنجلس ويبدأ الحديث المهم
-:"انها اخبار سعيدة وأنا سعيد لك يا عزيزتي ولكن هنالك أمور يجب أن أوضحها لك"
اومأت له بأن يكمل فقال:" قبل أن يغير والدك اسم عائلته كان على خلاف مع العائلة على ما يبدو فهرب برفقة والدتك وقد اخفى نفسه بامتياز ولا تسأليني عن السبب فأنا لا أعلم. (صمت لبرهة وهو يراقب تعابير وجهي الضائعة ولكن وجب عليه أن يكمل). عندما أخبرت الشرطة عمك السيد كيليب بخبر وفاة شقيقه تأثر حقا وتفاجأ أكثر عندما علم ان لديه ابنة ولكننا أخبرناه أنك متبناه"
قلت بتلعثم:" كي... كيف تقبل أمر ...انني متبناة؟"
-:" الغريب انه هدأ على الفور فور سماعه لتلك الكلمة حتى انه طلب تكفل أمر رعايتك"
 لأكون صريحة لقد ارتحت عند سماع ذلك فقد ظننت انه سينعتني بالمتسللة ويرفض تقبلي.
-:"هل تشعرين أنك بخير؟"
ابتسمت قائلة:" أفضل من البارحة بكثير"
-:" سوف تسافرين بالغد يا إنجيلا الى البلد التي يعيش بها عمك ولكن عليك الحفاظ على صحتك يا فتاة كما وأن عليك القيام بفحوصات سوف أرسلها الى المشفى القابع هناك كل فترة"
-:"اسافر!" قلت بصدمة
-:" أجل فعمك يعيش في مدينة بعيدة جدا عن هنا"
 بدأت كلمات الطبيب تضيع في تفكيري.. فهل قال غدا! وبعيدا! هل سوف ارحل عن كل ما يذكرني بمن أحب؟ ماذا عن ستيلا فهي عائلتي الوحيدة التي تربطني بالماضي الجميل... الأفكار كادت تقتلني كما أن رأسي بدأ بالدوار وبدأت أرى الأشياء ضبابية ولكن مارتن سرعان ما تدارك الوضع وقدم لي كوبا من الماء وحاول تهدئتي ومن ثم قال:" يبدو أنك لا زلت لم تتحسني"
-:" انني بخير صدقني! ولكن كيف سأترك كل شيء هنا؟"
-:" اظن أن ترك كل شيء سوف يفيدك فحالتك لا زالت سيئة منذ الحادث. فكري بالأمر فلن يضرك شيء وقليل من الهواء المنعش سوف يحسن من صحتك"
 مر اليوم بطريقة لم أفهمها فالتفكير بكل شيء قد أهلك دماغي كما انني تجاهلت اتصالات ستيلا فلم أعلم ماذا سوف أقول لها... الساعة أصبحت الرابعة مساء وأنا لا زلت على نفس الوضع منذ رحيل مارتن ولكن فجأة فتح الباب على أوجه كما يفتحه مكافحو المخدرات للقبض على المجرمين. لقد كانت ستيلا الغاضبة.
 دخلت ووقفت أمامي تنتظر تفسيرا ولكنها هدأت عند رؤيتها لحالتي لتقول بسرعة
-:" إنجيلا هل انت بخير؟"
رفعت رأسي صوبها لتلقي عيناي الفارغتان بعينيها الخضراوان المزرقتان القلقتان فبدأت بإعادة سرد كل ما قاله مارتن ببرود لم يسبق لي أن وصلت له كما أن ما يسمى دموعا قد اختفى في تلك اللحظة.
 ساد الصمت لدقائق بعدها ممزوجا ببكاء ستيلا ولكنني بقيت على برودي فهذه حال الحياة كل شيء يرحل ولا شيء يبقى... علي الاعتياد على ذلك.
وفجأة أتتني صفعة قوية زعزعت ما بداخلي من قبل ستيلا التي بدأت بالصراخ نحوي
-:" ماذا يحدث لك؟! لماذا لا تتحدثين ولماذا هذا البرود؟ إنجيلا انها أنا (كانت تشير صوب نفسها لتكمل) صديقتك ستيلا... لما تغيرت؟ لقد كنتي تخبرينني بكل ما تشعرين به ولكن الآن..."
كنت لا أزال انظر نحوها ولكن قلبي كالجليد لم أفهم لماذا فمشاعري كأنها تجمدت أو انني اشاهد فيلما ليس له علاقة بي... تابعت صمتي الجارح لها لتحمل هي ما تبقى من دموعها وتخرج بعد أن قالت:" حسنا ارحلي ولا تعودي الى هنا ابدا فأنا لم أعد صديقتك على ما يبدو كما أن الطبيب مارتن قد أخبر والدي بالفعل طالبا منه ايصالك نحو المطار لذا اسعدي بذلك يا كتلة الجليد"
 صوت اغلاق الباب وما تبعه من هدوء قاسي كان كحال قلبي الجليدي... بدأت أحدث نفسي بصوت شبه مسموع:" كم أتمنى أن أنسى كل ما حدث! أو حتى أتمنى لو انني مت في ذلك اليوم ورحلت معهم... (بدأت بالصراخ قائلة) لماذا لم تأخذوني معكم؟ أنتم لستم أهل صالحين!" 
 بدأت ارتجف بشدة وتنفسي يسرع... رغبت بتحطيم هذه المشاعر الثقيلة التي أحملها... هل انتحر يا ترى؟ كنت أفكر بذلك حقا فخطواتي قادتني صوب غرفتي لأنظر نحو الحقيبة التي كنت قد بدأت بتجهيزها للسفر ومن ثم صوب نافذتي الكبيرة.
  تجلس وهي تراقب السماء بقرب النافذة.. هل تقفز يا ترى؟ هذه الفكرة التي كانت تنتابها بشدة.. دموعها عادت وبشكل قوي فهي سببت الألم للشخص الوحيد الذي كانت تعتبره سندها.. آخر من بقي رحل! " لقد خسرت كل شيء اهتم لأمره.. لماذا أكمل حياتي؟" كانت تكلم نفسها وأمواج عينيها كانتا هائجتان من شدة بكائها.
  مر الوقت ببطؤ شديد ولم تعد ستيلا.. كانت السماء قد أمست سوداء قاحله..    وضعت إنجيلا رأسها على ركبتيها اللتان تضمهما الى صدرها لتقف فجأة.. ومن ثم تفتح النافذة الزجاجية وتمد برأسها نحو الأسفل.. كانت الأرض بعيدة فعلمت أن المسافة سوف تنهي حياتها بسرعة.
  عندما تفقد الامل.. تفقد القلب والحب.. عندما يرحل الجميع بلمحة عين وتبقى انت وجسدك فقط في ظلام دامس ومكان بارد يعصف بك يمينا وشمالا.. انت فقط عاجز عن المتابعة.. تضم بجسدك كالجنين حول نفسك.. هل تقرر الرحيل أم المضي أم العيش لتتحمل المزيد؟
قالت إنجيلا ببرود:" الى اللقاء أيها العالم"



.....

ارائكم تهمني 😃

تعليقات

المشاركات الشائعة