الفصل التاسع عشر: كابوس من الماضي

 الفصل التاسع عشر : كابوس من الماضي 

    لازلت لا أصدق انني نجوت من عقاب ابي رغم ان السيارة تعطلت بالطريق  فهو لم يعد الى المنزل حتى الآن كما اخبرتني ميلا.. يبدو أن لديه الكثير من الاعمال المتراكمة.. القيت بنفسي على سريري بعد حمام طويل منعش فرائحتي كانت مزرية.. يا له من شعور مريح! لقد كان يوما حافلا بالفعل واعتقد انني استحق قسطا من النوم لعلي أرى محبوبتي.

    كان العمل في الشركة مرهقا اليوم فأنا حتى الآن لم انهي ما علي عاتقي من ملفات.. ظهري يؤلمني وكذلك رقبتي من العمل.. اخ كم اتمنى النوم الآن كما ان الجميع قد غادروا صوب منازلهم.. ترى اين الاولاد فلوك هاتفه مغلق وآيدن لا يجيب.. يبدو أن علي مصادرة سيارته من جديد فأنا اريده أن يصير جديا اكثر في حياته.. 

فجأة رن هاتفي لأنظر صوب الرقم الغريب واجيب

-:" سيد كينسون؟"

كان صوت فتاة ما ويبدو على صوتها التوتر والخوف

-:" أجل من انت؟"

كان شهيق بكاءها مسموعا وهي تقول-:" هل يمكنك الحضور يا سيدي؟ نحن بحاجتك هنا!"

  وقفت من فوري هلعا ليندفع كرسيي صوب الحائط.. فهذا صوت كاثرين صديقة لوك.. لقد ميزته الآن لأرد بسرعة

-:" ماذا هناك؟! ماذا حدث؟ هل انتم بخير؟"

-:" لقد تعرض روك لحادث خطير يا سيدي.. كما ان لوك في صدمة"

   ارتديت معطفي وخرجت مسرعا بعد أن بعثت لي كاترين الموقع فلوك ضعيف نفسيا.. ضعيف جدا ولا يحتمل فكرة الموت وذلك من بعد وفاة والدته والآن صديق طفولته على حافة الموت!

   لم أعلم كيف وصلت لذاك المشفى بسلامة بقيادتي المجنونة تلك لأدخله هرعا وأجد كاثرين أمامي.. يبدو انها كانت بانتظاري.. عيناها حمراوان من البكاء.. لا أصدق أن كتلة الجليد هذه تعرف البكاء.. هل الوضع سيء الى هذا الحد؟

عيناها غرغرتا بالدموع لتقول وهي تكتف يداها:" لقدد.. لقد غرس ظل من نسل براون مخالبه في قلب روك يا سيدي"

 تجمدت من وقع كلماتها ليفتح فمي قليلا بشكل لا ارادي وتتوسع مقلتا عيني.. كنت عاجزا للحظة عن الكلام.. كيف بحق السماء ظهر لهم ذاك الظل؟

حاولت استجماع نفسي لأسألها:" كيف حاله؟"

هطلت دموعها لتغلق عيناها بقوة ثم تفتحهما وهي تمسح دموعها:" لا زال في العمليات منذ ساعات"

وضعت يدي على رأسي محاولا تدارك هذه الاخبار لأنظر صوبها بجدية شديدة واقول

-:" عليك اخباري بكل شيء.. بحق السماء كيف ظهر لكم ظل من نسل براون؟"

     كان علي اخباره بكل شيء فالوضع قد خرج عن السيطرة.. روك في وضع لا يحسد عليه ولوك عاد الى صدمته.. تيا وتوماس ضائعان بينما كلاري وراين لم يعودا بعد من مهمتهما التي طالت..

    كل ما حدث هو خطئي وحدي.. فلولا فزعي حين ظهور ذاك الظل لما حدث كل هذا.. كان علي قتله بناري فور رؤيتي له.. يا لي من ضعيف مخيب للامال..

   كان جالسا على الارض بالزاوية أمام وحدة العناية المركزة يرتجف من التوتر لتعود ذاكرته به الى ذاك اليوم الشنيع.. كانوا قد أحاطوا بهم من كل الجهات.. ظلال من نسل براون.. كانت أمه تحارب ببسالة بسرعتها الخارقة ولكنها توقفت لتستسلم لهم فجأة فهم كانوا قد أمسكوا به وقد ثبتوا مخالبهم صوب قلبه ورقبته ليتجمد في مكانه.. كانوا تحت أمرة رئيستهم الحقيرة سينثيا التي كانت تريد القضاء على أمه للانتقام.. حاول الصراخ صوب أمه لتتركه وتهرب ولكنها تجمدت مكانها ورفعت يديها مستسلمة لتقول بصوتها الحنون الخائف

-:" سينثيا.. اتركيه يرحل!"

صوت ضحكتها الذي لا يزال يضرب في اذنه علا لتجيب:" لن اتركه وسوف تشهدين على موته"

   كانت مخالبهم تضغط بقوة فبعض الدماء بدأت بالسيل من مكان ضغطهم.. كان مؤلما بحق ولكنني حاولت ما بوسعي ألا اظهر هذا الالم على وجهي لأقاوم اكثر وأصيح عاليا

-:" أمي اهربي!"

ليغرس ذاك الظل مخالبه في صدري اكثر قليلا لأتأوه من الالم.. امي لم تتحمل ذلك وخارت قواها لتجلس على الارض راجية سينثيا بالتوقف.. امي كانت ترجو احدا من أجلي! تمسح بكرامتها الارض لأعيش.. أمسكت بها سينثيا من شعرها لتشده صوبها بقوة لأسمع صوت آلمها الذي كان كموسيقى للاخرى.. بدأت تتحسس وجه امي بأظافرها التي لا وصف لها سوى مخالب حادة لتقوم بجرح وجه امي من عدة زوايا ثم تتوقف وهي تتصفح وجهها الجميل وتقول بصوت منخفض مشبع بالكره

-:" سوف تندمون جميعا فأنتم السبب في كل ما حدث"

  قالت ذلك لتشد شعر أمي من جديد لأحاول حرق تلك الظلال التي تحيط بي ولكن ذاك الظل طعنني بقوة في معدتي لأتناسى آلمي محاولا الوصول الى امي.. ولكن ظلا اخر ضربني بكرة نارية بظهري لأسقط ارضا وانا اسمع صوت صراخ امي وهي تنادي باسمي.. رفعت رأسي بجهد احاول رؤيتها.. كانت دموعها التي اختلطت بدمائها قد غطت وجهها وهي تنظر صوبي والخوف يتملكها.. قلت بصوت مرتجف والغصة قد توقفت في حلقي:" امي!" حاولت الزحف صوبها ولكن تلك المجنونة الضاحكة بدأت بجرح امي بمخالبها على وجهها من جديد وكذلك جسدها بأسره بسرعة بينما صراخ أمي حطم فؤادي ومن ثم شدت شعرها الطويل الجميل وقصته بعنف لتسقط امي على الارض..

    رفعت نفسي بكل ما اوتي بي من قوة لأقف ولكن تلك الظلال التي كانت تحت أمرتها تحركت مرة اخرى ليثبتني اثنان منهم بمخالب زرعوها داخل يداي ليتوقف بي الزمن لوهلة.. كم أنا ضعيف! استخطيت نفسي وبدأت دموعي بالنزول فأنا عاجز بحق.. امي تنظر صوبي راجية الرحمة وتلك المعتوهة كانت تضحك مرة اخرى لتشير الى ظل من ظلالها بالاقتراب صوب امي.. كان ظلا ناريا

صرخت بقوة:" ايتها المعتوهة اتركيها! لا تفعلي ذلك!"

  ابتسامتها زادت لتنطلق نيران ذاك الظل صوب والدتي.. صار الوقت بطيئا  فجأة فتلك النيران تتحرك صوب والدتي في الهواء.. تلك المختلة تضحك.. أنا متجمد في مكاني عاجز عن شيء .. بينما أمي كانت تنظر صوبي بابتسامتها الحنونة.. لماذا تبتسم حولي فأنا عاجز! عليك الصراخ يا امي.. الهرب! لماذا بقيتي؟! عليك لعني يا أمي فأنا عاجز على انقاذك!

   أصابتها تلك النيران ليشتعل جسدها بأكمله.. انفاسي زادت وكذلك دقات قلبي وانا اصرخ بكل ما اوتي بي من الم.. سقطت جثتها هامدة أمامي بينما دموعي كانت قد ملأت وجهي والحقد لتلك الحقيرة صار اضعاف اضعافه ولكنني اشعر كمن خارت قواه.. جسدي خانني اليوم وكذلك قوتي.. انني لا استحق العيش.. كان الموت عليه ان يكون من نصيبي وليس من نصيبها.. اهلا يا موت .. تعال إلي بسرعة وارحني..

   قلت ذلك لنفسي بينما كانت تلك الحقيرة تقترب مني ولكن اصوات عالية من خلفي جعلتها تغادر المكان بسرعة هي ومن معها لأسقط بجسدي وقلبي على الارض.

      كنت انظر صوب ابني لوك بقلق بينما هو جالس على الارض سارح في عالم اخر بينما هو يضم جسده كالجنين.. لقد عاد صامتا من جديد.. لا أصدق ان تلك الصدمة التي حاولت جاهدا ان اخرجه منها قد عادت من جديد فقد حاولت الحديث معه ولكن ما من اجابة.. لا اظن ان الوقت مناسب لتأنيبه واصدقاءه على نادي الهواة الذي ابتكروه "نايت" فهم يعيشون الآن عاقبة أفعالهم.. يداي ربطتا بإحكام الآن.. "ارجو ان يصل الاستاذ نيلسون بسرعة الى هنا" قلت في نفسي وانا ازفر زفيرا طويلا.. كانت كاثرين وكذلك تيا جالستان على مقعد قريب بينما توماس كان قد اسند جسده على الحائط وهو متكتف اليدين.. كانوا جميعا في صدمة وخوف واضح.. كم حمدت الله ان لي علاقات قوية مع الشرطة فهم لن يتركوا حدثا كهذا يمر بسلاسة كما ان توماس كان قد سجل في الملف انه حادث سير.. الامر الذي يتعارض بقوة مع اصابة روك من ناحية منطقية.

   فجأة اصدر الجهاز الذي كان بغرفة روك صوتا يدل على توقف نبضات قلبه ليهرع طبيب ما بسرعة صوب الغرفة وكذلك الفتية الذين برفقتي حاولوا الدخول ولكن ممرضة ما منعتهم.. نظرت صوب لوك الذي ازال يداه اخيرا عن رأسه ينظر مصدوما صوب الغرفة بينما فمه قد فتح قليلا من الخوف.. ارجع يداه ليغطي اذناه بينما عيناه امستا ضائعتين لأركض نحوه ممسكا بيديه

-:" لوك!"

 كان يتمتم بصوت هامس عبارة ما باستمرار لأقول بقلق

-:"ماذا هنالك يا بني؟"

رفع عيناه صوب عيناي لألحظ انعاكسا للدموع فيهما رغم صدمتهما الكبيرة ليعلو صوته وهو يقول

-:" انه خطئي.. انه خطئي.. انه خطئي.. امي رحلت بخطئي وروك كذلك الامر.. انه خطئي.. كان على الموت ان يأخذني"

  كان يردد بهذه الجملة باستمرار لأصيح في وجهه وانا اهزه بقوة

-:" اخرس يا لوك"

  كان ذاك بلا فائدة خصوصا مع هذا الصوت الذي ذاع هنا لأنظر من فوري صوب كاثرين التي كانت تراقب لوك بخوف واقول بغضب بينما احاول اسكاته كي لا يسمعه احد ويظنه قد افتعل شيئا عن حق

-:" اخرجوه من هنا!"

    تقدم توماس للمساعدة في رفع لوك محاولا سحبه للخارج ولكنه بدأ بالمقاومة ليدفعه بعيدا عنه وهو منفعل بقوة ليصرخ صوبنا

-:" ابتعدوا عني!" كانت عيناه قد أمستا حمراوان قاتمتان لأحاول الاقتراب منه ولكنه سرح بعد ان نظر صوب العناية المركزة حيث الزجاج الشفاف الذي كشف روك والاطباء حوله يحاولون انعاشه بجهاز الصدمات الكهربائية.. تراجع للوراء ببطؤ لتختلط الوان عيناه بين الاحمر والبني.. كان قد فصل عن العالم من جديد ولكنه بدأ يفقد السيطرة على قواه ليطير شعره وتشتعل يداه شيئا فشيئا لتصلا مرفقيه.. كان علي ايقاظه لأصيح باسمه ولكن بلا فائدة..

كاثرين:" لوك !"

توماس:" اهدأ!"

  كانا يحاولان تهدئته بينما تيا هلعة في الزاوية ودموعها لا تتوقف وفجأة وقف نيلسون الذي جاء ركضا أمامه قائلا وهو ينظر وسط عينيه:" نم!"

لينام لوك فورا مما دفعني للامساك به بين احضاني.  

  احتضنته بقوة لأتذكره رضيعا بين يداي.. ما هذا الكابوس الذي عاد من جديد!؟

   قام توماس والبقية بحمل لوك خارجا صوب المكان الذي لم افكر قط انني سأفكر بإعادته إليه.

  كان علي البقاء مع روك.. لماذا تستمر الاحداث بالتأزم يا ترى؟ قاطع افكاري صوت نيلسون

-:" هل تأخرت؟"

سألني بصوت قلق لأجيبه بصوت مرهق:" اتيت في الوقت المناسب تماما"

  نظر الاستاذ نيلسون صوب روك ليعود ملتفا صوب كيليب سائلا اياه

-:" اين كلاري فهي أملنا الوحيد لنجاته؟!"

-:" كما فهمت من كاثرين فهي برفقة راين في مهمة ما"

-:" كما اخبرتني على الهاتف.. عن نايت هذه يبدو ان راين وكلاري في مهمة لها علاقة بالظلال ولدي خوف من انهما قد تعرضا للأذى كروك هنا.. عليك التوجه بسرعة صوب الكلية وجمع عدد من القوات معك لبدأ البحث عنهما"

    كان وضع روك قد عاد مستقرا لأومئ لنيلسون بالإيجاب ثم اهم بالخروج ولكنه استوقفني قائلا

-:" يبدو ان موسم الحصاد قد يأتي باكرا يا صديقي"

   افكاري ضائعة وكذلك تركيزي فها أنا قد وصلت سيارتي ولكن عقلي يتصرف كمن نسي القيادة..  ضربت برأسي المقود لاطلق صراخا قويا ثم اردد في داخلي

-:" عليك ان تكون قويا يا كيليب" ليس لوك وحده من تذكر تلك المشاهد العنيفة فقد عادت ذاكرتي ترسم لحظة رؤيتي لحب حياتي جثة محروقة بينما ابني في وضع يرثى له.. اجبرت نفسي على المضي للأمام رغم ثقل الحمل فأنا والد.. والد لديه ارواح معلقة على عاتقه.. هيا يا كيليب.. انت قادر!

    كانت الساعة تشير نحو السابعة والنصف.. لم انم طوال الليل لذا أشعر انني خائر القوى جسديا ونفسيا لأحمل هاتفي واتصل على آيدن الذي لم يجبني لأسند بجسدي باستلام على الكرسي وانا انظر صوب الفراغ.

~○~

يتبع.. 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة