الفصل السابع: حقيقة أم حلم
الفصل السابع: حقيقة أم حلم؟
سماء المدينة لم تكن كالعادة وكذلك الاجواء والرياح.. ألوانها متقلبة كألوان الفضاء منسجمة مع الزهري والازرق والبنفسجي.. كانت حقا سابقة لكل شيء وعلى الارض كانت الاحراش الخضراء الطويلة تملؤ المكان وهناك وسط تلك اللوحة تقف تلك الفتاة ذات الشعر الكستنائي الاملس الطويل المتناثر مع الهواء سارحة في عالم آخر.. أراد الاقتراب ولكن كان قد استيقظ من حلمه. فتح عينيه ليرى ضوء الشمس يتسلل من نافذته المغلقة.. قال في نفسه وهو يتمتم "صباح ممل آخر...مدرسة تعيسة بلا فائدة.. حقا ما الفائدة من الذهاب؟ لا اريد الذهاب اليوم ...".. قال ذلك وعاد يسبح أسفل أغطيته ليتذكر بعد وهلة حلمه الغريب.. ليقول بعد صمت "أحسست بأنها أمامي حقا".
قال ذلك ليقفز من مكانه ذعرا لظهور جده العجوز من أسفل سريره قائلا "أنا هنا!" كان آيدن قد وصل الى باب غرفته ولكنه توقف وقال بصوت عال
-:"بحق السماء! ما الذي تفعله هنا؟ لقد ظننتك إحدى تلك الكائنات" كان قد خرج من أسفل السرير ليضرب حفيده بالعصا على رأسه قائلا -:"أتشبهني بكائنات مقززة أيها الغبي!"
كان الجد قد أصبح غاضبا منه ليهرع آيدن من غرفته وهو يحاول إرضاء جده كالعادة.. بعيدا عن هذه الضوضاء في الغرفة المجاورة له استيقظت إنجيلا على صوت صراخهم ولكنها كانت لا تزال تشعر بالتعب وكأنها خائرة من الطاقة كما انها تذكرت أنها لم تأكل شيئا منذ إفطار البارحة لتقف بينما كانت تتمتم قائلة
-:"مدرسة تعيسة! أحلام مزعجة! وأنا جائعة! انتظروا قليلا.. لقد صرت كستيلا.. انتظروا! ستيلا! علي الاتصال بها فورا"
حاولت الاتصال بها ولكن هاتفي قد تعطل او ان الارسال قد اختفى..لا أعلم حقا ما الامر.
إستعد الجميع ليوم آخر وجلسوا على طاولة الطعام ليشاركهم الجد ذلك لأول مرة مما آثار فضول إنجيلا التي همست لآيدن
-:"لماذا لا يشاركنا الجد تناول الطعام بالعادة؟"
أجاب هامسا:"انه يحب تناول طعامه في غرفته ولكن على ما يبدو بعد ضربه لي تحسن مزاجه وقرر مشاركتنا هذه الوجبة"
كتمت ضحكتي بصعوبة لتلاحظ لوسي ذلك وتقول
-:"بماذا تتهامسان في هذا الصباح؟"
ولكن آيدن نظر نحو والده بسرعة قائلا:"أبي اين لوك؟"
أخذ وقتا للإجابة بينما انهى ما كان يأكله ولكنه نظر نظرة قاسية نحو آيدن ثم قال
-:"لماذا عدت متأخرا ليلة البارحة برفقة إنجيلا؟ كما أنك لم تحضر التدريبات المعتادة مع لوك"
استطعت لمح شبح ابتسامة من لوسي فأنا المتسببة بتأخر آيدن ولكن كيف سنخبر عمي بالحقيقة؟ أشعر ان تفسير ذلك هو واجبي لأقول بسرعة
-:"عمي انني السبب في ذلك!"
نظر الجميع ومن بينهم جدي إلي منتظرين تفسيرا لما سوف أقول
آيدن:"لا عليك سوف أشرح لوالدي ما حدث يا إنجيلا"
إنجيلا:"ولكن.."
آيدن:"يمكنك أن تسبقيني الى المدرسة فالوقت ما زال مبكرا كما أن حافلة المدرسة تسير من هنا.. ان خرجتي الآن سوف تلحقين بها"
هززت برأسي موافقة له رغم انني لم أكمل طعامي بعد ولكن من غير المهذب أن أقول ذلك.. خرجت وأنا أشعر بشئ من عدم الانتماء كأنني قطعة مختلفة عنهم تأبى الاندماج.. كما أن هذه الطريق الترابية التي أسير بها صوب موقف الحافلات طويلة بحق ترغم جميع ما بداخلي على الخروج.. تذكرت لحظة قدرتي على تحرير كل ما بداخلي البارحة..لقد كان شعوريا مريحا ولكنه حدث بالصدفة.. انني اتألم ولكن لا أحد يشعر.
في هذه الأثناء كان آيدن قد شرح لوالده وجده الذي لا زال جالسا كل شيء بينما لوسي رفضت الإصغاء بعد أن قالت أن إنجيلا تتسبب بالكثير من المشاكل في هذا المنزل..ليقول السيد كينسون
-:"انه شيء نادر جدا أن يستطيع المرء رؤية الأشباح ولكن أن يلمسهم ويقدر على إظهارهم فهذا مستحيل!"
آيدن:"ولكنه حدث كما أن علاقتي بجاك قد عادت الى سابق عهدها يا أبي ولكنني أريد الانتقام من تلك الظلال الآن برغبة عارمة فقد قتلو ناي!"
رد بصرامة وبشئ من القسوة
-:"يمكنك الذهاب الآن يا آيدن كما أنك معاقب لتأخرك وعقابك هو (صمت وهو يفكر ثم قال وهو يغادر الغرفة) لا سيارة بعد اليوم"
تركني بعد أن صعقني بهذا الخبر ..فأنا آيدن كينسون اذهب سيرا على الأقدام!
الجد:"ان كنت تريد اللحاق بالحافلة فأسرع أيها الشقي"
آيدن متأففا:"حسنا.. حسنا"
خرجت راكضا من المنزل وأنا لا زلت اتأفف من كل شيء وكعادتي وكعادة تأخري لم استطع اللحاق بالحافلة التي سارت بعيدا فور رؤيتي لها بالأفق.. لماذا حظي هكذا!؟
ولكن جاك لديه سيارة! أجريت اتصالي ليأتي هو بعد وهلة من الزمن بسيارته الزرقاء القديمة.. فتحت الباب ورميت بنفسي على الكرسي الأمامي المجاور له وقلت بأريحية
-:"لقد مر زمن على نومي اثناء قيادتك!"
ضحك جاك قائلا-:"لا زلت كسولا كعادتك"
قال آيدن وهو مغمض عينيه ويحاول إيجاد وضعية مريحة للنوم
-:"انظروا من يتكلم!"
ضغط جاك على دعسة الوقود وهو يقول
"ولكنك تحب النوم.. لا اعلم حقا ما يشدك اليه بهذه القوة "
كان آيدن قد غفى.. لربما جاك لا يستطيع ان يعلم السبب لأنه لا يستطيع معرفة ماذا يدور في احلام آيدن.. فها هي تلك الفتاة من جديد ولكنها تتجول في بيت قديم.. بيت جدرانه قاتمة قاحلة.. زواياه مليئة بالغبار وفي الصدارة هنالك باب يؤدي الى شرفة حيث وقفت الفتاة تنظر الى تلك المناظر الكئيبة.. ظلام ودمار.. أراد الاقتراب ومعرفة ماذا يحدث.. أراد مساندتها فقد اعتاد على رؤيتها من بعيد.. تأمل ظلها ولكن لم يسبق له أن رأى تفاصيل وجهها.. فجأة حدثت هزة لتتشقق الارض أسفل الفتاة ولكن آيدن وبردة فعل سريعة أمسك بيدها لتسقط الشرفة بأكملها..
كانت حقا سابقة.. انه يرى تفاصيل وجهها الآن.. عيناها الخائفتان البراقتان باللونين الاخضر والازرق.. براءة وجهها وسمارها.. لقد كانت جميلة حقا تشع بالأمان والحرية.. سحبها نحوه وضمها إليه.. لقد استطاع سماع دقات قلبها.. انها خائفة ترتجف بشدة.. لقد أحس بأنها جزء مفقود قد عثر عليه ليصبح جزءا كاملا بعد انتظار طويل.. ابعدها عنه قليلا.. نظر الى وجهها مجددا.. ليختفي كل شيء في لحظة.
-"آيدن... آيدن... استيقظ لقد وصلنا أيها الكسول!" قال جاك
-:"حسنا لقد استيقظت!" قال متأففا ليتوجه كل منهما الى فصله.
دخل جاك فصله متأخرا ولكن ليس كثيرا فالمعلم لم يحضر بعد ليتوجه من فوره الى جانب إنجيلا التي كانت نائمة ويقف خلفها ويعد الى الثلاثة ثم يخيفها لتقفز ذعرة من مكانها ثم تبدأ بالصراخ فور رؤيته بينما هو يكاد يموت من الضحك.
-:"أيها المخبول لماذا فعلت ذلك؟ لقد اخفتني بشدة!"
نظرات زملائهم كانت متفاجئة فجاك يضحك! أجل كتلة العصبية تضحك.. بعضهم أعجبه ذلك ولكن بعض آخر ازدادت كراهيته نحو إنجيلا فالتغيير أحيانا يزعج من اعتاد على شيء ما إن لم يكن هو سبب التغيير..
سارت الحصص الدراسية كالعادة ليحين موعد الاستراحة أخيرا ولكن جاك قد اختفى وكذلك آيدن الذي لم أعثر عليه فذهبت على طاولتي المعتادة بعد أن ابتعت غذائي.. ولكن.. لماذا يتهامس الجميع وهم ينظرون نحوي؟ هل أكمل بتعابيري الباردة كالعادة أم أحاول الاختلاط مع أحدهم؟
زائر طاولتي هذه المرة كان وجها مألوفا فهي الفتاة ذات الجديلتين برفقة صينية غدائها وأيضا تلك الابتسامة الغريبة لتقول بعد أن جلست
-:"هل يمكنني الجلوس هنا؟"
قلت في نفسي:" عليها الاستئذان قبل الجلوس وليس بعده" ولكنني ابتسمت لها واومأت برأسي موافقة لتبتسم هي بارتياح وتقول
-:"كنت خائفة أن ترفضي.. انني سعيدة"
هل علي أن اسألها ما تريد؟ ماذا كان اسمها يا ترى؟ أجل تيسا ولكنها كانت فضولية جدا آخر مرة.. هل بعثوها لتسألني شيئا من جديد؟ لم تتأخر هي بالإجابة عن سؤالي فقد قالت
-:"أتعلمين يا إنجيلا؟"
قلت بهدوء:" ماذا؟"
-:"انني لا زلت مصدومة بحق من كونك استطعت إعادة آيدن وجاك الى سابق عهدهما فالإشاعات هنا تنتقل بسرعة ولكنني أشعر بالفضول اتجاه شيء ما.. (كنت لا أزال أنصت لها لتكمل هي وعينيها تلمعان بشيء مريب) انت جديدة ولا تعرفين ناي كما أن آيدن وجاك من أشهر الطلاب في المدرسة.. هل فعلت ذلك لتصيري ذات سيط هنا؟ أم أن قلبك الطيب لم يحتمل رؤية عراكهما؟ أم أن علي القول أن عزيزي جاك أو عزيز صديقاتي آيدن يعجبك؟"
تنهدت ولم يعد لي رغبة بتناول الطعام فهذه الفتاة غبية ذات عقل صغير حقا.. ما هذه التكهنات الطفولية التي تتفوه بها؟ هل تم وضعي في رياض أطفال بدل الثانوية يا ترى؟
لم أقل شيئا ونظرت نحوها ببرود جعلها ترتبك لأقول وأنا اهم بالرحيل
-:"انت حقا جاسوسة سيئة" لأحمل عصيري وأسير الى الخارج لعلي استنشق نسيما نظيفا بدل هذا النسيم الخانق..
تركتها متسمرة في مكانها فأنا لا أهتم حقا بما تعتقد أو ما يشاع.. في الخارج كان الجو أفضل ولكنه لم يعجبني أيضا.. لربما علي استكشاف هذه المدرسة أكثر.. هل لديهم سطح هنا يا ترى؟ ولكن اين آيدن وجاك؟
كنت اهم بالعودة نحو الداخل ولكنني رأيتهما واقفين ضاحكين بعيدا عند الأشجار برفقة شبان آخرين وأيضا بعض الفتيات.. شعرت بالغصة لأكون صريحة وصعدت الدرج في الداخل لعلي أجد مكانا يبعد عن الجميع..
الطابق الثاني كان فارغا من الطلاب فبدأت اسير به وانظر الى الأبواب حتى لمحت المسرح.. يبدو أن لمدرستنا مسرحا! فتحت الباب ودخلت ولكن فور دخولي أغلق الباب لألتفت بسرعة وأحاول فتحه ولكن بلا فائدة فالباب قد اوصد من الخارج.
هل أهلع؟ هل أصرخ؟ أعتقد أن من فعل ذلك ينتظر مني ذلك ولكن لا لن أفعل فقد سرت بخطى واثقة وتخطيت كل تلك المقاعد لأصل الى المسرح الكبير وأتربع في وسطه وأنا أكمل ما تبقى من عصيري.. تفكيري استمر حينها وكذلك توقعاتي للمستقبل.
رن الجرس معلنا انتهاء الاستراحة.. هل أحاول فتح الباب أم لا؟ أم هل أبقى هنا وأنام حتى انتهاء الدوام الدراسي.. ولكن عمي سوف يقتلني إن علم بتهربي فأيدن لا يجرؤ على فعل ذلك فكيف أنا؟ قررت النهوض ومحاولة فتح ذلك الباب الذي وبكل غرابة فتح بسهولة لأخرج وانظر نحو الممر الذي لا يزال فارغا.. شكرت قوة صبري وهدوئي حينها لأخرج نحو فصلي بسرعة ولكن عند عودتي الى الطابق الأول لم يكن هنالك أحد أيضا.. اين الجميع؟
هل عبور صاروخ من أمامكم سوف يخيفكم؟ فقد عبر من الجدار الذي أمامي ذئبان كالصاروخ مدمرين وعملاقين مكونان فجوة به.. أحدهما ذئب بني والأخر أسود وكبر أسنانهما لا تدل على خير هنا.. ردة فعلي هي التجمد كالعادة لينظر الذئب البني نحوي نظرة غريبة ومن ثم الأسود الذي باشر بالركض نحوي وأنا على نفس الحال ولكن الذئب البني عض على ذيل خصمه وسحبه بقوة ليرتطم بالزجاج الذي تكسر في جسده.. كنت لا أزال انظر بهول لما حدث.. هل جننت من جديد؟ البارحة أشباح والآن ذئاب! بدأت بمحاولة تهدئة نفسي بأخذ شهيق وزفير ولكن بلا فائدة كما أن الذئب البني بدأ بالاقتراب مني بهدوء..
تراجعت قليلا وأنا اصرخ
-:"لا تقترب مني!" ليتوقف من فوره ولكن ذئب آخر دخل من ثقب الجدار ووقف خلفه.. لا أعلم لما فعلت ذلك ولكنني صرخت للذئب قائلة
-:"انتبه وراءك!" وكأنه سيفهمني ولكنه استدار وبدأ العراك مع من يقف خلفه.
كان علي الهروب لأقفز من ذلك الثقب ولكنني حقا غبية فقد قفزت بين ذئبين.. أحدهما أشقر والآخر رمادي.. هل هذه نهايتي حقا؟
اقترب الذئب الأشقر مني حتى صار فمه الكبير أمام وجهي.. لما حجمهم عملاق؟!
كدت أقسم انه يضحك ليفتح بفمه ويصير كل شيء اسود بالنسبة لي ومن ثم استيقظ هلعة.
-:"لقد كان حلما!"
كنت لا أزال في وسط المسرح ويبدو أن النوم قد غلبني لأنظر الى الساعة من فوري.. لقد كانت تشير الى الثانية عصرا! هل نمت كل هذا الوقت؟ نظرت الى ارسال الهاتف الذي كان معدوما هنا فبدأت بالتوتر فأيدن سوف يكون قلقا الآن وكذلك عمي.. وقفت بسرعة وركضت صوب الباب الذي كان مغلقا على عكس حلمي.. بدأت أدق بقوة لعل أحدهم يسمعني ولكن بلا فائدة..
-:"لماذا يحدث كل هذا معي؟!"
تمنيت أن يفتح هذا الباب من كل قلبي فأنا لم أعد أستطيع الاحتمال.. سجدت على الأرض وأنا أشعر بأنني.. لا أعلم حقا ماذا يحدث معي أو ما أكون! هل أنا استحق أن يرحل الجميع عني هكذا؟
مرت عدة ساعات وأنا لا زال عالقة هنا والدموع جفت في عيني حتى فتح الباب من قبل عامل النظافة الذي تفاجأ لوجودي هنا فقال
-:"ما الذي تفعلينه هنا يا ابنتي؟ لقد انتهى الدوام منذ زمن فالساعة الآن الرابعة مساء!"
قلت بيأس:" لقد علقت هنا.. شكرا لفتحك الباب" قلت ذلك وخرجت وأنا لا أشعر بنفسي.. فقط أسير على غير هدى مغادرة لدار الشؤم هذه ومن ثم سيرا على الأقدام نحو منزل عمي..
كنت قلقة أن يغضبوا من تأخري فقد وصلت أخيرا الى المنزل بعد مرور ساعة لبعده لأدخل بهدوء.. ميلا لم تستقبلني وكما أن المكان كان هادئا لأصعد صوب غرفتي وقلبي لا يكاد يحتمل ذلك.
أغلقت الباب وأسندت نفسي عليه.. أنفاسي تسارعت فقد تذكرت والدتي ووالدي عندما كنت اتأخر عن البيت.. افتح الباب لأجدهما أمامي مشتعلين غضبا لألقى عقابا إن لم تكن حجتي قوية.. كنت أغضب كثيرا حينها من تصرفهما ولكنني حقا اشتاق لاهتمام أحدهم بي حد الموت! لم أستطع تمالك دموعي التي لم تتوقف.. ارتجفت وأنا أتمنى أن تضمني أمي من جديد في حضنها الدافئ.. أن يهدئني والدي بكلماته الرزينة.. اشتقت لمنزلي الدافئ!
دق باب غرفتي في تمام الساعة السادسة وأنا لا زلت استند عليه ولكن أثناء جلوسي على الأرض لأقف ببطؤ وأفتحه.. كانت ميلا التي نظرت الى وجهي متفاجئة فعيناي كانتا حمراوان من البكاء لتقول بتلعثم وهي تفترس وجهي بنظرها
-:" إن العشاء جاهز كما السيد كينسون يرغب برؤيتك في مكتبه قبل أن تأكلوا"
هززت رأسي لها موافقة وأغلقت الباب لأغسل وجهي لأخفي احمرار عيناي ثم أنزل صوب مكتب عمي الذي دلتني ميلا على مكانه لأدق الباب وانتظر جوابا
-:"تفضلي "
دخلت الى هذه الغرفة الفخمة والتي تعج جدرانها بالكتب لأجد عمي يجلس على كرسي جلدي اسود كبير خلف مكتبه الخشبي الكبير أيضا.. قلت
-:" هل طلبت رؤيتي يا عمي؟"
أشار بيده نحو الكرسي بجانب المكتب لأجلس ففعلت ليقول لي بعد عدة دقائق من الصمت
-:" لقد وردني من مديرك أنك لم تحضري باقي الحصص الدراسية يا إنجيلا.. فكيف تفسرين ذلك لي؟"
خرج صوتي مبحوحا من كثرة البكاء -:"لقد علقت في المسرح"
رد بصرامة -:"كذبة جيدة ولكنها لا تنفع معي وكذلك تصرفك في اليومين الماضيين فهل ضربتي فتى؟! كما أنك عوقبت بالاحتجاز.. وأيضا لا انسى تأثيرك هذا على آيدن الذي قام بعراك رغم انه لم يتعارك منذ زمن طويل وطبعا بعد أن وعدني أن لا يفعل!"
-:"آيدن قام بعراك! هل هو بخير؟"
-:"لا تدعي البراءة يا إنجيلا فسبب عراكه هو حمايته لك من ذلك الصبي الذي ضربته"
لم أعلم ماذا أجيب فهل أنا منبع مشاكل حقا؟ ليكمل عمي قبل أن يطلب مني الخروج
قال ببرود -:" لقد سافر آيدن وجاك وأيضا لوك لذا لا تسألي عن مكانهم أو تحاولي الاتصال بهم"
تجمدت مكاني فهل حقا تركوني هكذا؟ انهم يدمرون آخر ما تبقى من أمل لي في الحياة!
لا أعلم من اين أتتني الطاقة لأسير ولكنني سرت من دون توقف نحو غرفتي لأصطدم بلوسي التي انزعجت جدا وبدأت تصيح في وجهي
-:"ألم ترحلي بعد!؟ كم علي أن أصبر حتى ترحل طفلة غريبة عادية عن هنا لأخذ راحتي كما انك متبناة! لا أعلم كيف يصبر الجميع على وجودك! يا رب ساعدني فقط!"
قالت ذلك واصطدمت بي وهي تكمل طريقها لأشعر أن ما كنت أشعر به سابقا قد كان هينا لما أشعر به الآن..
سريري هو الشيء الوحيد الدافئ في حياتي الآن كما انني حاولت الاتصال بستيلا ولكن اعتقد أن هاتفي معطل فهو لا يرسل أو يستقبل.. هل هذا كابوس من كوابيسي المتكررة يا ترى؟
في صباح اليوم التالي استيقظت وأنا أشعر بأن استيقاظي من النوم هو غلطة فأنا استحق النوم الى الابد ولكن ما باليد حيلة كما أن اليوم عطلة مدرسية.. جدولي يحتوي على موعد في المشفى فقط.
في هذه الأثناء كان السيد كينسون يحدث ابنته لوسي على طاولة الطعام
-:" قاربت خطتك على النجاح ولكن لما تريدين فعل ذلك؟"
ضحكت لتجيب:" لأن موسم الحصاد على وشك القدوم كما أن أي أحد لا ينتمي للموكب سوف ينتهي أمره"
-:"انت محقة ولكن علي التأكد من أمر ما قبل انهاء خطتك"
-:"كما تريد يا أبي"
استعددت للخروج وكدت ادلف الى الغرفة لأشاركهم ولكن استوقفني حديثهم لأتجمد مكاني للحظة فقد كانت لوسي بصوتها الكاره
-:" اعتقد ايضا ان علينا اعادتها لدار ايتام حتى تبلغ سن الرشد"
خرجت كمختنق يبحث عن الهواء بدون أن أرى وجوههم فهم لا يريدون رؤيتي بالتأكيد.. مشيت طويلا بينما احسست بقلبي ينزف دما من تألمه فلا أحد يرغب بي كما انني عالة..
وصلت الى موقف الحافلة.. كنت ارتدي ملابسا صبيانية وقبعة كنت قد اخفيتها عن ستيلا.. اعتقد انني أبدو كالصبيان الآن.
لماذا لا تمر الحافلات يا ترى فأنا انتظر منذ زمن هنا؟ هل علي رفع يدي لأحد العابرين ليقف ويقلني؟ لم أجد في نفسي رغبة للتوجه للمشفى ولكن جسدي كان يريد الذهاب كمن برمج على ذلك فرغبتي بالقيام بأي شيء أمست معدومة.. أردت النوم للأبد.
ارجعت رأسي وأنا اتأفف على حالي لأغمض عيناي بحزن. ولكن فاجئني صراخ فتاة ما بإسمي لأجفل وأرفع رأسي بسرعة.. لا أصدق ما أراه فهذه كلاري التي كانت تطل برأسها من نافذة سيارة تقف أمامي وتقول مبتسمة
-:" إنجيلا! لا أصدق ما تراه عيناي! ماذا تفعلين هنا؟"
زاد الطين بلة وجود راين الذي كان يقود السيارة ليقول لي
-:"اين وجهتك أيتها الفتاة؟ اصعدي لأوصلك فالحافلات لا تسير في هذا الخط"
كلاري:" والآن هيا اصعدي لنوصلك!"
صعدت ثم قلت بعد أن سألاني عن وجهتي
-:"نحو مشفى المدينة فلدي فحص ما"
التفت كلاري نحوي بسرعة وقالت:" هل تعاني من أمر ما؟"
قلت بعد أن جفلتني حركتها:" تعرضت لحادثة قبل عدة أشهر كما أن الإشارات الحيوية في جسدي غير منطقية بعض الشيء"
كان راين قد بدأ بالقيادة ليسألني:" ماذا حدث؟ إن كنت لا تمانعين سؤالي"
أجبته وأنا أحاول التذكر كالعادة:" آخر ما كنت أتذكره هو رحلة سعيدة برفقة والداي ثم فجوة في تفكيري لا أذكر منها شيئا لاستيقظ بعدها في الطوارئ مملوءة بالدماء"
قالت كلاري:" هل تعرضت لإصابة في رأسك؟"
علل راين سؤالها:" اعذري كلاري وفضولها حول كل ما يتعلق بالطب فهي تدرس في كلية التمريض"
ابتسمت وقلت:" لا بأس كما أن الأطباء ليسوا متأكدين من حالتي فحسب قولهم انني كالمعضلة لهم" انهيت جملتي ضاحكة باستهتار على حالي ليضحكا معي ولكنني لمحت كلاري تنظر صوب راين وكأنها تستفسر شيئا ما.. كنت ارجو ألا تعلق على حمرة عيناي التي اشتدت من البكاء.
قال راين قبل أن نصل بعدة دقائق
-:"ولكن إنجيلا... نسيت أن اسألك"
-:"ماذا؟"
-:" ماذا تفعلين هنا؟"
حككت رأسي فأنا نسيت إخبارهما لأجيب شبه مبتسمة
-:"عندما توفي والداي لم أمتلك أقارب سوى عمي لذا انتقلت للعيش معه وأسرته هنا"
كلاري:" ولكن المنزل الوحيد من مكان اصطحابنا لك هو.."
قاطعتها قائلة:" منزل السيد كينسون.. أجل فهو عمي"
أوقف راين السيارة بقوة ليلتفت نحوي بسرعة قائلا
-:"هل انت ابنة ديفيد وماريا!؟"
قلت وأنا لا أفهم سبب ذعره هذا:" أجل ولكن ليس ابنتهم البيولوجية بل المتبناة"
هدأ قليلا ليعيد السير بسيارته قائلا
-:" إنهما معروفان في عائلتي وكذلك لي ولشقيقتي"
كلاري:" نحن لم نخبرك ولكننا أصدقاء للعائلة"
راين:" هذا صحيح"
ركن راين السيارة حينها ليقول
-:" انت ضمن العائلة لذا لن نتركك تدخلين بمفردك"
قلت:" ولكن.." لتقاطعني كلاري قائلة
-:"هش لا تقولي شيئا!"
وهل أستطيع قول شيء؟ فكلاري تجر بيدي مسرعة كما أن راين يسير خلفنا لنصير في الداخل أمام طبيبي الجديد ليبدأ بإجراء الفحوصات اللازمة في ذلك الجهاز الذي لا أستطيع لفظ اسمه ولكنهم يدخلونني إليه..
غيرت ملابسي وخلعت قلادتي فممنوع دخول أي شيء معدني في غرفة الفحص ومددت نفسي استعدادا لإدخالي بالجهاز في هذه الغرفة المعزولة والتي يتحكمون بها من الخارج.. كان كل شيء كالعادة ولكن بعد إدخالي مر زمن ولم يخرجوني فتساءلت لماذا؟ الوقت استمر وأنا لا أستطيع سماع صوت الطبيب من مكبر الصوت ولكنني احسست أن الجو أصبح باردا بشكل ما كما أن صوت انطفاء وإضاءة مصابيح الغرفة كان مزعجا في هذا الهدوء.. ولكن فجأة اشتممت رائحة دخان حريق!
بدأت بدفع نفسي لأخرج من مكاني ولكن ذلك كان صعبا بحق! كما انني بدأت أشعر بالحر الشديد..
خارج هذه الغرفة كان الطبيب وبجانبه راين وكلاري يحاول فتح الباب الذي أغلق من تلقاء نفسه وكذلك الكهرباء التي بدأت بالجنون في الغرفة ولكن اشتعال الجهاز كان آخر احتمال ممكن لتمتلئ الغرفة بالدخان ويهلع الطبيب نحو الخارج بسرعة ليتصل بالطوارئ.
بدأ راين بالقلق ليقول لكلاري بأنه سيتصرف وبسرعة أشار بيده نحو الباب واقتلعه من مكانه ليدخل ويشير بيده من جديد نحو إنجيلا ويخرجها هي وما تجلس عليه وكأن الجهاز عاد الى العمل من جديد.
ركضت كلاري نحو إنجيلا وأسندتها بجسدها لتخرجا من الغرفة بسرعة ولكن ظلا ما كان قد ظهر أمامهم ثم اختفى مما آثار الشك في نفوس الأخوين.
عودة الى إنجيلا التي كانت شبه يقظة واستيقظت بالكامل من جديد وهي على أحد أسرة المشفى لتجد الطبيب أمامها ليشرح لها ما حدث
إنجيلا:" لقد كان برفقتي شخصان.. اين هما؟"
الطبيب:" لقد رحلا قبل قليل وطلبا مني أن أعطيك هذه الورقة"
استلمتها لأجد رقما كتب أسفله " لا زلت مدينا لك.. اتصلي بي عند الحاجة" وتوقيع راين
وقفت وبدأت بارتداء ملابسي وأنا أكاد انفجر فلما كل شيء يحدث حولي لا يفهم ولماذا لا يفسر لي أحد ما يحدث؟ فقط يرحلون من دون قول شيء!
تركت المشفى على الفور ولم انتظر الطبيب الذي ذهب ليحضر نتائج التحاليل الخاصة بي.. كنت أسير بسرعة وعلى غير هدى في شوارع هذه المدينة.. لا أعلم اين أنا ولكنني لا أريد العودة الى ذلك البيت والى أولئك الأشخاص أو الى تلك الحياة التي لا تطاق وأيضا الى حياة تضم أشباحا تدفعني الى الجنون.. فهذا ليس كابوسا بل هو واقع مرير علي تقبله برحابة صدر..
اراء ؟ 💙🌌✏
تعليقات
إرسال تعليق