الفصل الاول: بداية أم نهاية
~○~
نظرت صوب ذاك الشاب الغريب وهو يغادر.. شيء بداخلي أراد مني ان اناديه وكأن قلبي يرغب بعناقه كظمآن في صحراء قاحلة ولكنني لم أجب رغبات قلبي لأعود ادراجي لستيلا وكأن شيئا لم يحدث لكونها لا زالت تتبضع.. يا الهي كم تحب تلك الفتاة التبضع!
~○~
قادتني ستيلا نحو سيارتها مبتعدين عن زحمة المجمع واصوات الاطفائيات التي تحاول اخماد النار التي اشتعلت فجأة ولكنني كنت غارقة مجددا في التفكير.. ماذا بحق السماء يحدث معي؟ مصيبتين في يوم واحد؟! ولكن لنضع هذا جانبا للحظة.. أنا اتورد خجلا من نظرات شاب! أنا التي لا تحب جنس ادم.. ياللهول.. لا يمكن أن قلبي الجليدي قد نزل عليه وحي الشعور اخيرا وفي وقت غير مناسب ايضا... سأتفادى هذا الشعور فكل شيء يرحل لذا ما الداعي لبداية أخرى نهايتها حتمية.
اتممنا طريقنا نحو موقف السيارات البعيد قليلا عن المجمع بعد أن أكدت لستيلا انني بخير وأنها هي من تحتاج الى أن تهدأ قليلا فهلعها هذا قد يودي بحياتنا حرفيا إن قادت وهي على هذا الحال..
اثناء سيرنا نظرت صوب بعض المياه التي انجرفت من مجمع المياه الذي يسحب منه رجال الاطفاء الماء في خرطومهم العملاق لتكون قرب ذاك الحائط بركة متوسطة في الحجم.. سرحت قليلا بها متوقفة عن السير بينما ستيلا كانت تظنني بقربها وهي مستغرقة بالحديث فاستمرت بينما انا رحت انظر الى شيء شد انتباهي.. ما هذا يا ترى؟ لمعان في الماء وكأن نجوما تقبع في الأسفل أم أن ذاكرتي تستحضر مشهدا ما.. سرت على غير هدى نحوها فانتبهت ستيلا وتبعتني بسرعة قلقة فأوقفتني قائلة
-:"إنجيلا ما الامر؟ هل انت بخير؟"
كنت لا ازال سارحة في الماء فخافت ستيلا أكثر وبدأت تهزني بلطف قائلة
-:"إنجيلا ارجوك ردي علي. هل تشعرين بالدوار؟"
وكأن العالم انطفأ لم اشعر بشيء سوى تلك الكوابيس التي ايقظتني بهلع لأفتح عيناي مجددا في غرفة المشفى وبجانبي ستيلا التي قفزت عندما رأتني افتح عيناي لتصرخ بشدة بإسمي فقلت بصوت مرتجف
-:"ماذا حدث؟"
-:"يقول الطبيب ان ضغطك قد انخفض فجأة. اعتقد ان السبب واضح فأنت لا تأكلين جيدا او حتى لا تأكلين! كما أن صدمة ما حدث في المجمع لا بد أن أثرت عليك.. ولأكون صريحة ما دفعني للاعتزام على الانتقال للسكن عندك هو عدم اكتراثك هذا لأي شيء!"
-:"انني اسفة"
-:"لا تتأسفي فقط كوني بخير فأنت اختي الوحيدة لا تنسي ذلك"
اومأت لها وقلت في نفسي:" أنت هي عائلتي الوحيدة المتبقية"
عانقتني واستأذنت بالرحيل فقد علمت انني استمريت بغفوة طويلة استمرت كل ساعات النهار.. الوقت كان متأخرا وكان لا بد لستيلا احضار بعض المستلزمات من المنزل.
بقيت وحدي أسرح بكل شيء كعادتي.. كنت هادئة جدا إلا ان دخل الطبيب وقطع الصمت الرهيب الذي كان يدوي هنا فقال
-:"يسعدني انك استيقظت يا إنجيلا. كيف تشعرين الان؟"
-:"بأفضل حال. أيمكنني الخروج من هنا الليلة؟"
-:"لا اعتقد ذلك فأنت تحتاجين الى العناية اليوم وربما يمكننا اطلاق سراحك غدا في الظهيرة" قال ذلك وابتسم ابتسامة ودية لي فابتسمت له بالمقابل ولكنه اكمل حديثه
-:"كان عليك العناية بنفسك اكثر يا إنجيلا... اعتقد انني طلبت منك ذلك في المرة السابقة"
تذكرت ذلك اليوم الرهيب قبل شهر عندما جيء بنا الى هنا في سيارة الاسعاف.. كان الوضع هائجا فوضويا.. الجميع كان يتهامس من حولي بهول ما حدث.. كنت شبه غائبة عن الوعي بينما الدماء تملأ جسدي. حاولت ان افتح عيناي ولكنهما كانتا ثقيلتان. كان يتم جري بسرير متحرك بسرعة نحو غرفة تحمل ضوءا احمر يضئ. كانت غرفة الطوارئ على ما اعتقد. هذا اخر ما تذكرته او الشيء الوحيد فبعد استيقاظي لم اتذكر ما حدث.. كيف حدث ذلك الحادث الذي اودى بحياة والداي؟ قيل لي ان ضربة قاسية على رأسي انستني كل شيء ولكنهم تكهنوا بعودة ذكرياتي بعد مرور وقت من الحادثة.
سألني الطبيب باستغراب وكأنه يشارك فيما شردت أفكر به
-:"هل عادت ذاكرتك يا إنجيلا؟"
تمتمت ببطؤ:" لا لم اتذكر اي شيء.. فقط اتذكر وجودي هنا مملوءة بالدماء"
-:"ليس شرطا ان يتذكر المصاب ما حدث فلا تضغطي على نفسك في هذا الامر. وتذكري عليك الاكل جيدا ومتابعة حياتك. اعلم ان هذا صعب عليك ولكن عليك المحاربة والغوص في الحياة من جديد"
-:"سوف احاول" كنت حقا احاول وبقوة! ولكن طعم كل شيء ما عاد كنفسه.. حتى اطيب ما كنت أحب من الطعام.. اغانيي المفضلة لم يعد قلبي يرفرف لسماعها.. الالوان ما عادت موجودة.. لم اعد تلك الانسانة القديمة.. دمعت عيناي بغير انتباه بينما كنت سارحة في تفكيري فاقترب الطبيب مني وناولني منديلا
جفلت ولكنني شكرته ومسحت دموعي فقال
-:"لا زلت صغيرة لتحمل كل ذلك. سوف تصيرين في عمر التاسعة عشر بعض بضعة ايام أليس كذلك؟"
-:" لقد كدت أبلغ السابعة عشر وليس التاسعة عشر"
-:"ولكنك في المرحلة الأخيرة من الثانوية.. كيف ذلك؟"
ابتسمت قائلة:" لقد اجتزت بعض الصفوف"
تابع حواره معي. لقد كان يحاول التخفيف عني قليلا فشكرته ولكنه ابتسم وهز رأسه بأن ذلك هو واجبه.. لقد كان يعرف والدي.. ديفيد لاكينسون.. قال ذلك وخرج لأسرح بأفكاري مجددا حتى غططت في نوم عميق.
رأيت نفسي داخل بحر او هو بحيرة.. المهم انني كنت محاطة بالماء من كل الجهات.. المياه قاتمة اللون (تذكرت عينا ذلك الشاب) ولكن كان هنالك شيء يجذبني الى داخلها.. لم أستطع الافلات.. كدت أغرق.. كاد رأسي يغطس كله ولكنني بدأت الصراخ حتى استيقظت وانا اصرخ مرتعبة من شدة حقيقة هذا الحلم فكادت ستيلا النائمة على الكرسي بجانبي ان تصاب بأزمة قلبية من الخوف فقالت لي
-:"ماذا حدث؟!"
-:"لقد كان كابوسا اخر"
-:"لا اعلم لم تلاحقك الكوابيس دائما يا صديقتي. اعتقد أنك تجذبينها" قالت ذلك وضحكت لابتسم ساخرة بدوري ثم أرد قائلة
-:"هل انت متأكدة فكلما يراودني كابوس جديد تكونين بجانبي"
-:"هيي لا تلوميني ان كان حظي الجميل قد اراد ان يريك بعض من سحره"
":- بالمناسبة متى اتيتي؟"
نظرت الى هاتفها ثم اجابت ":- منذ ساعتان تقريبا ولم أرغب بإيقاظك"
ضحكنا تلك الليلة طويلا واستمرينا بالحديث.. تذكرنا عندما كنا صغارا في سن الرابعة.. عند انتقالي للعيش مع اسرتي الجديدة كانت ستيلا اول من التقي.. احسست انني اعرفها منذ زمن بعيد منذ اللحظة الاولى وهي ايضا ولكننا أصبحنا اعز صديقات حتى الان رغم انها أكبر مني فهي تكاد تصير في عمر التاسعة عشر.. تذكرت ذلك وراقبتها وهي نائمة بعمق قرب سريري فأردت البكاء من جديد.. كنت اخاف ان أفقدها فكل من تعلقت بهم رحلوا بغمضة عين كما انها الوحيدة التي تجذبني بعيدا عن هذا اليأس الذي يتملكني.
في مساء اليوم التالي سمح لي الطبيب مارتن بالرحيل بعد إجراء كافة الفحوصات حتى تأكد انني بخير...كانت ستيلا برفقتي.. سرنا مشيا على الاقدام فقد شعرت بحاجتي الى الهواء العليل ولكنها كانت مسافة قصيرة حتى سيارتها الحمراء الصغيرة.
كانت الازمة خانقة فدائما ما تكون شوارع المدن هكذا بينما في بلدتي الصغيرة الوضع هادئ.. احببت ذلك ولكنني لم أحب ان كل شيء محدود.. لم اقتنع ابدا في حياتي بالحدود.
همست لي ستيلا بعد ان قررت الانعطاف في طريق اخر لتفادي ازمة اخرى
"-: هل ترين ذلك النادي؟"
-:"نعم ولكنني قاصر ولا نستطيع الدخول"
-:"أعلم ذلك ولكنه النادي الذي أخبرتك انني اتمنى زيارته فجميع المشاهير يتواجدون هناك"
رفعا حاجبي متسائلة:" أي مشاهير؟"
قالت:" ذاك الشاب الذي غنى مرة في حفل مدرستنا يرتاده باستمرار"
حنيت رأسي لمحدودية تفكيرها لأقول ببرود:" ايتها الغبية كانت تلك مرته الاولى والاخيرة بالغناء.. كيف صار مشهورا؟"
حدقت بي قليلا لتقول بهدوء:" يبدو كلامك منطقيا"
توقفت ستيلا عن القيادة لتنظر جيدا صوبه وتنظر لي بعيني طفل على وشك البكاء :" أرجوك! هيا نلقي نظرة خاطفة سريعة"
فقلت:" ما رأيك أن تدخلي وتحظي ببعض المرح وأنا سوف أخذ غفوة هنا؟"
هزت ستيلا برأسها معارضة بشدة وقالت:" لا ان لم ترافقيني سوف نعود الى منزلك"
-:"ولكن.." قاطعتني وقالت:" اصمتي لقد زالت رغبتي بالدخول فأنا اريد العودة والنوم"
عبست قليلا وقلت:" يال سرعة تغييرك لرأيك ولكن لدي سبب مقنع لعدم قدرتنا نحن الاثنتان على الدخول.. انظري الى ملابسنا.. ليست مناسبة ابدا"
نظرت ستيلا مجددا الى هيئتنا... كان وجهي يبدو تعبا كمن خرج من المشفى حديثا وهذا صحيح... ملابسي كانت عادية جدا وهي عبارة عن بنطال ابيض وقميص اسود واسع وفي قدمي حذاء رياضي ابيض وشعري كان منثورا بإهمال بينما هي كان شعرها البني مرفوعا ككعكة وملابسها كملابسي ولكن بألوان مختلفة لتقول هي ببطؤ
-:" يبدو منظرنا رهيبا يا صديقتي"
لم أستطع تمالك نفسي عن الضحك بعد رؤية تعابير وجهها لتضحك هي أيضا.
ولكن فجأة اسكتنا صوت صراخ أحدهم لنلتفت الى مركز الصوت
كان هنالك فتاة لا تبدو ملامحها ظاهرة من حيث نقف، محاصرة من قبل ثلاث شبان ضخام الحجم.. كان صوتها ما لفتنا نحوهم فقد كان واضحا خوفها منهم لأقول لستيلا
-:" علي مساعدتها"
نظرت ستيلا نحوي بحدة فلقد خرجت من المشفى حديثا ولكنني لم استمع وفتحت الباب رغم صراخها نحوي لأتوقف.
كان الشاب ذو العضلات الكبيرة يتقدم نحو تلك الفتاة ذات الشعر الاصهب والعينان الخضراء.. كانت جميلة يبدو انه يحاول التحرش بها.. قلت في نفسي وانا أتقدم نحوهم ببطؤ.
قال الشاب للفتاة ضاحكا ليبرز ذلك اسنانه اللامعة:" وحيدة وضعيفة... اين حارسك يا ترى؟"
ردت عليه الفتاة:" سوف يأتي قريبا ليحطم وجهك!"
ضحك بحدة وقال:" إذن فأنت وحيدة حقا"
عضت الفتاة على شفتها وعلمت ان نهايتها وشيكة فلا أحد هنا يجرؤ على حمايتها من هذا الرجل مفتول العضلات.
أصبح امامها ليمسك بخصلة من شعرها ليشمها ولكنها بصقت في وجهه ودفعته الى الخلف... كان قويا فلم يتأثر ولكن اعصابه قد تلفت غضبا منها ليسدد لكمة قوية لدرجة أن تحطم وجهها اللطيف ولكن يد ما أمسكت بقبضته ولفت بيده بحدة ليستدير هو متألما ومن ثم يثبته خصمه على الأرض.
صرخ الشاب:" من يجرؤ؟"
قال الصوت المجهول بخشونة مصطنعة :" أنا أيها الأحمق"
اغتاظ غضبا ليحرر نفسه ويلتفت الى خصمه القصير... لقد رأى فتى يرتدي قبعة سوداء تخفي شعره... يرتدي قميصا اسود واسعا فوقه معطف جلدي... كان ينظر نحو الشاب نظرات باردة غير واضحة فوجهه قد اختفى اسفل تلك القبعة ليقول الشاب
-:" إذن فأنت القزم الذي ضربني"
ردت إنجيلا المتنكرة بصوت يشابه صوت الفتيان:" إذن تعترف بأن قزما مثلي ضربك؟"
غضب الشاب وركض نحو إنجيلا لتركله في معدته ومن ثم توجه ضربة أخرى على رأسه ليقع مغشيا عليه لتلتفت نحو الفتاة ذات الشعر الاصهب وتقول:" هل انت بخير؟"
لم تجب الفتاة فقد صرخت محذرة إنجيلا بقدوم أحد نحوها ولكن بحركة سريعة من فتاتنا الشجاعة انخفضت لتفادي لكمة الرجل مفتول العضلات ومن ثم تركله ليقع أرضا ليأتي الشخص الثالث مباغتا لها ويعتصرها من الخلف ولكنها ضربته برأسها من الخلف ومن ثم ضربت قدمها فوق قدمه لتركله بعدها بقوة ليسقط مغشيا عليه والدماء ملأت أنفه.
لم يكن هنالك وقت فمزيد من الرجال قد يأتون فأمسكت الفتاة ذات الشعر الاصهب يد إنجيلا محاولة الهرب من المكان فقالت إنجيلا بسرعة
-:" الى اين؟"
-:" علينا الهرب بسرعة فحياتك أصبحت معرضة للخطر بمجرد أن انقذتني أيها الشجاع"
قالت إنجيلا في نفسها:" هل منظري يبدو حقا كالصبيان... يبدو أن الخطة قد نجحت"
كانت ستيلا تراقب ما حدث بإعجاب بينما هي في سيارتها لتقول ضاحكة:" ولقد فعلتها تلك المتهورة من جديد... ولكن تلك الخطة كانت حقا جيدة"
كانت ستيلا قد طلبت من إنجيلا ارتداء قبعة لإخفاء شعرها كي تبدو كالصبيان فعصابة كهذه قد تهدد حياتها إن علمت من هي كما انها اعتادت على خوض العديد من هذه الأمور حيث أن طبع إنجيلا صبياني ومتهور كما ان ممارسة الفنون القتالية كان كهواية لها منذ الصغر... تذكرت ستيلا اول مرة شاهدت فيها إنجيلا...
كان شعر إنجيلا قصيرا وهي ترتدي ملابسا للصبيان فظنت ستيلا انها صبي أنذاك وكادت أن تتأكد عندما تعاركت إنجيلا مع أقوى طفل في حيهم لتدافع عنها.
نظرة خاطفة للماضي من قبل ستيلا لتاريخ صديقتها... كانت دائما تلك الفتاة الباردة مع الجميع إلا مع من تحب... كانت رقيقة كالندى من الداخل وهشة رغم قوتها هذه التي تظهر للجميع.. ولكن الامر تغير عند رحيل من تحب.. كانت تشعر بأنها تغرق في الحزن.
بينما تلك الفتاة تمسك بيد إنجيلا محاولة الهروب أغلق طريقهم من قبل عشر رجال ضخام الحجم لا يبدو انهم يريدون خير لتتقدم إنجيلا وتقف أمام الفتاة ذات الشعر الاصهب لتحميها وتقول:" هل انقرضت رجولتكم يا قوم؟"
رد رجل ضخم:" هذا ليس من شأنك فنحن نريد الانسة أولا وأيضا نريد تحطيم رأسك"
ابتسمت إنجيلا ابتسامة أظهرت احدى غمازاتها لتقول:" يبدو هذا ممتعا ولكن عليكم أن تتخطوني أولا"
رد الرجل ببرود:" أيها الصغير انت حقا لا تدري بما أوقعت نفسك به"
بدأت إنجيلا بالتعارك مع ثلاثة منهم واستطاعت اطاحتهم ارضا بسهولة ليتعكر مزاج رئيسهم ويشير بيده نحو أحدهم ليفعل شيئا
قالت إنجيلا:" إذن من التالي؟"
غضب أحد الرجال وركض نحوها حاملا عصا حديدية فاستطاعت ركله بصعوبة ليطيح ارضا لتردد بداخلها:" هذا سيء! لم يسبق لي أن نازلت أشخاصا كثر... لقد تعبت"
ضحك رئيسهم وكأنه فهم ليقول لإنجيلا:" سوف اعطيك فرصة أخيرة أيها الصغير.. إن سلمتنا الانسة سوف نتركك على قيد الحياة"
نظرت إنجيلا بطرف عينها نحو تلك الفتاة... كان الخوف وتضحا على محياها فأعادت بنظرها نحو ذلك الرجل الاصلع ذو الوشم الكبير على عنقه وقالت بحدة:" لا أقبل"
-:" يبدو أنك لم تتعلم فن اغتنام الفرص"
ركض أحد الرجال نحوها فبدأت بالقتال ليركض رجلا اخر أيضا نحوها ولكن رجل ثالث ركض ممسكا بعصا حديدة نحو تلك الانسة لتلعن إنجيلا كل شيء ومن ثم تركل أحدهما بعيدا والأخر تضرب رأسها بحدة في رأسه الصلب ليتشتتا قليلا ولكن ليس كافيا لتقفز هي أمام الانسة الخائفة وتتلقى تلك العصا الحديدة في ذراعها التي استخدمتها كدرع.
كان الألم شديدا فقد كادت تقع ولكنها ركلت ذلك الرجل في المنطقة التي لا ترى الشمس ليقع متألما من شدة ألمه.
ركض الرجلان نحوها ليستطيع أحدهما لكمها ولكنها أمسكت بالعصا الحديدة وضربت أحدهما على رأسه والأخر على قدمه ليسقطا أرضا لينظر نحوها الرجل الأصلع بصدمة ويقول:" لقد استخففت بك أيها الصغير"
كان قد بقي ثلاثة رجال فقط ولكن لم يعد بمقدورها القتال فهي بالكاد تستطيع الوقوف لتقول في نفسها
-:"هذه نهايتي"
تقدم رئيسهم هذه المرة والضحكة لا تفارقه فهو يعلم بحال إنجيلا ولكن قبل أن يستطيع لكمها أحد ما دفعه بعيدا ليطير في الهواء ويسقط في حاوية القمامة الكبيرة لتنظر نحوها... لا يوجد أحد هنا.
صوت من الأعلى:" انني هنا"
رفعت رأسها عاليا لترى ذلك الشاب المتمسك بقضبان السلالم الحديدية لاحد البيوت فهم الان يقفون في ممر بين شقق سكنية عديدة.
قفز الشاب ذو الشعر الاصهب ليصبح أمام الفتاتان ويقول للآنسة:" هل انت بخير؟"
ردت الفتاة بلهفة:" أجل يا أخي بفضل هذا الشاب"
نظر الشاب الطويل الأصهب ذو النمش الكثير على وجهه والعينان الزرقاوان نحو إنجيلا متفحصا ومن ثم قال:" انني مدين لك مدى الحياة أيها الصغير"
ولكن فجأة سمعت إنجيلا صوتا تعرفه فالتفتت لما يوجد خلف الشاب لتتسع عينيها من المفاجأة
لقد كان آخر رجلان يمسكان بستيلا ويوجه أحدهما سكينا نحو رقبتها ليصرخ الاخر بحدة
-:" سلمنا الانسة وإلا قتلناها.. لقد كانت تراقبنا من بعيد لذا اعتقد انها مهمة لديكم"
التفت الشاب ذو الشعر الاصهب نحوهم ليجيب ببرود:" هل حقا تظنون أن بإمكانكم تهديدي؟"
كانت عينا ستيلا مملوءة بالدموع فصرخت إنجيلا:" اتركها أيها الوغد!"
علم الشقيقان حينها بأن هذا الشاب تربطه علاقة بهذه الفتاة فهمست أخته له بأن ينقذها ليرفع أخاها يده نحوهم ويقول بتحذير
-:" هذه فرصتكم الأخيرة أيها الرجال... هل تريدون الحياة أم الموت؟"
كانا مصممين على ذلك فحرك الشاب يده نحو أحدهما ومن ثم رفعها ليطير الرجل عاليا وكذلك فعل مع الاخر لتبقى ستيلا متجمدة مكانها وكذلك دموعها ولكن إنجيلا ركضت نحوها وعانقتها قائلة:" هل انت بخير؟"
كانت قد ركضت بأخر ما تبقى من قواها لتسقط على ركبتيها يكاد يغشى عليها لتصرخ ستيلا
-:" بل هل انت بخير؟!"
ركض الاخوان نحوهما لينتبه الشاب الى الدماء التي تذرف من يد إنجيلا ورأسها فأشار لأخته بالتدخل ليمسك هو بستيلا ليبعدها ولكنها صرخت بوجهه
-:" ما الذي تحاول فعله؟ علينا التوجه نحو المشفى"
نظر الشاب صوب شقيقته متسائلا لتهز رأسها موافقة ومن ثم تقوم بالاتصال بالطوارئ التي سرعان ما وصلت وبرفقتها سيارة شرطة ليتم تحميل انجيلا في سيارة الاسعاف وبرفقتها ستيلا بينما قامت الشرطة بالإمساك بمن بقي من المجرمين.
عودتها للمشفى في هذه الحالة فاجأت الدكتور مارتن بحق ليصرخ وهو يوجه العاملين لوظائفهم.. :" بحق السماء ما الذي حدث؟!"
على السرير في غرفة المشفى مجددا وجدت نفسها ولكن هذه المرة تلك الفتاة ذات الشعر الاصهب هي من كانت تمسك بيدها والتي قالت من فورها
-:"لقد استيقظت! انني سعيدة بأنك بخير"
قال الشاب من خلفها:" ماذا نقول لمن يقدم لنا معروفا يا كلاري؟"
ضحكت كلاري ومن ثم قالت:" انني اشكرك من كل قلبي ايتها الفتاة"
راين-:"رغم أنك فتاة ورغم أنك تبدين ضعيفة لكنك فاجأتني بقدراتك. ما هو اسمك؟"
كان شعرها الطويل المجعد منسدلا من جديد فقد أزال الاطباء القبعة ليتضح انها فتاة فنظرت نحو ستيلا التي احمرت عيناها وتقول
-:" انني ادعى إنجيلا وهذه صديقتي ستيلا"
رد الشاب:" تشرفت بمعرفتكما وأنا ادعى راين وهذه شقيقتي كلاري"
كلاري:" علينا الرحيل يا أخي فلوك سوف يغضب بشدة"
راين:" انت محقة ولكنني حقا مدين لك يا إنجيلا وشكرا لك من جديد"
كلاري:" اشكرك لإنقاذ حياتي"
إنجيلا:" هذا واجبي"
بعد توبيخ شديد من الطبيب مارتن وافق على رحيل انجيلا من جديد كما انه أصر على القيام ببعض الاتصالات بشأن ما حدث لتوافق إنجيلا على مضد فهذا يعني عودة كابوس قديم اسمه دار الايتام.
أوصل راين الفتاتان الى سيارتهما لتجلسا فيها بكل هدوء وتتأففا مرة واحدة.
ضربت ستيلا المقود بشدة بينما إنجيلا تراقبها بصمت لتتكلم الغاضبة أخيرا
-:" اخ يا إنجيلا كيف تهورت الى هذا الحد؟!"
قالت ذلك وغطت رأسها في المقود لأضحك على حظي ولكنها رفعت رأسها بسرعة وهي تنظر نحوي لتقول
-:" لم يعرفوا بأنك فتاة في بادئ الامر"
استمرت ستيلا بالتحديق بي لدقيقة كاملة حتى طفح الكيل معي لأسألها ما بها لتجيب بهدوء
-:" ولكنك حقا تبدين كالفتيان في هذه الملابس كما أن طريقتي في رفع شعرك أسفل القبعة كانت متقنة للغاية والأقراط الفضية التي ترتدينها هي نفس ما يرتديه الصبيان"
تحسست مكان الاصابة ولكنني لم أجد شيئا! لم يكن هنالك اصابة في المكان.. سرحت في عالم آخر بينما كانت ستيلا تقود السيارة... أفكاري كانت تتزاحم كالعادة وما حدث حقا شيء لا أستطيع أن افهمه.
في هذه الأثناء كان راين يقود سيارته بعد أن أقل بعضا من أصدقاءه ليركبوا ثلاثتهم بالخلف بينما هو وكلاري بالأمام ليقطع صمتهم سؤال راين
-:" هل استطعتم استعادتها؟"
أجابت كاترين تلك الفتاة الشقراء:" أجل ولكن سارقها هرب مفتعلا مشهدا جذب الانظار بقوة" التفت حول شريكها الشاب الذي جلس بجانبها لتكمل:" كما ان الشرطة تدخلت بالأمر فلم نستطع انهاءه"
أجاب صوت أخير:" ولكننا اتممنا المهمة بنجاح وهذا هو المهم"
رن هاتف راين واضعا تلك المكالمة بوضع مكبر الصوت ليسمع صوت رجل ما بنبرة غاضبة
-:" لا أعلم اين انتم وسوف تنالون عقابكم على ذلك حين تأتون"
راين:" حسنا ولكن لا تغضب على ابنك فأنا من طلبت مساعدته فخرج من أجلي"
-:" إن لوك ابني وانا أعرف إنه يستحق العقاب وخصوصا على تجاهله لمكالماتي"
نظري كان موجها الى الظلام الدامس الذي نسير به ولكنني كنت أشبهه في داخلي... لم يعد لدي ما يسمى أمل ليوم جديد أو لحدث جديد... اظن ان قلبي في الإنعاش.
وصلنا الى منزلي وحالتي على ما هي كما ان ستيلا لم ترغب بإزعاجي بنكتها السخيفة فقد علمت أن حاجتي للهدوء بعيدا عن الجميع هو ما اريد... كانت دائما تعرف.
توجهت نحو غرفتي ورميت بنفسي على السرير المطل على النافذة الكبيرة بجانبه... كان الوقت بطيئا بحق والالم رهيبا كالعادة.
"ما هو تعريف النزيف الداخلي يا ترى؟ هل يوجد نزيف للحزن؟ أشعر بأن قلبي ينزف الحزن من قلبي ليملأ سائر جسدي بهذه الطاقة السلبية..."
تمتمت الفتاة ذات السادسة عشر عاما ببطؤ وهي تراقب تغير لون السماء السوداء... الشمس أشرقت لتصير اللوحة الفنية الظاهرة من النافذة خلابة للبعض ولكن ليس لها... تساءلت بداخلها إن بقي هنالك مشاعر باقية... أجل هي لم تنم طوال الليل وهي تفكر بكل ما آلت إليه حياتها... هل بقي المزيد يا ترى؟ للأسف هي لم تعلم أن هذه لم تكن سوى البداية.
يتبع..
💙 لطفا منكم .. كلمة تصف ما تشعرون به بعد القراءة 💙
تعليقات
إرسال تعليق